آخر الأحداث

الرجل الذي درس ابن خلدون وقاد نهضة سنغافورة

Ξ بقلم سلطان عبد الرحمان الخليفي

إن الدول والمؤسسات الناجحة لا تقوم إلا على قائد حكيم، يتبعه وزراء وحاشية أمينة ونابهة، تقوم بتنفيذ ما ينبغي؛ ليصلوا للهدف المبتغى. وإن كان التاريخ والعالم قد حفظ للرئيس، لي كوان يو، منقبته في حكم سنغافورة، وتحويلها من جزيرة فقيرة يتوقع لها الفشل والانهيار، إلى دولة يتمنى الكثيرون أن يعيشوا فيها، حيث أحاط نفسه بفريق مميز أمكنه أن يحول أحلام سنغافورة إلى واقع.

أحد هؤلاء الرجال الذين كانوا حول لي كوان يو، هو إس. راجاراتنام، الذي ولد عام 1915 لعائلة سريلانكية في مالايا (منطقة سنغافورة وماليزيا حاليا قبل استقلالها). ذهب راجاراتنام لدراسة القانون ببريطانيا، وفي تلك الفترة عمل بالصحافة الإنجليزية، واهتم بموهبته الكاتب الكبير جورج أوريل، وطلب منه المساهمة في كتابة مونتاج شبكة “بي بي سي” (bbc). إبان عودته لسنغافورة، عمل في صحف عديدة من أبرزها صحيفة “سترايت تايمز” (Straits Times)، وكان نشطا في الكتابة حول السياسة الاستعمارية لبريطانيا في بلاده. وقد جمع راجاراتنام بين الفكر والتواضع والعزم الدؤوب لتحويل فكرة سنغافورة إلى واقع حقيقي معاش، كما أنه كان داعية للمساواة في سنغافورة رغم الخلافات الإثنية قبل الاستقلال، وكتب الميثاق الوطني الذي يقرأ كل يوم في المدارس، مؤكدا ذوبان الفوارق بين جميع الإثنيات؛ لتكوين الهوية السنغافورية، وهي صمام الأمان لدولة سنغافورة.

أسس لي كوان يو حزب العمل الشعبي عام 1954 مع إس. راجارتنام، وخاضا معارك سياسية كبيرة للحصول على الحقوق السياسية لسكان سنغافورة. بعد فشل اتحاد سنغافورة بماليزيا، وتصويت البرلمان الماليزي على إخراج سنغافورة من الاتحاد، ولدت دولة سنغافورة، وهي لا تملك شيئا من مقومات البقاء. إلا أن وجود العزم والهمة مع الرجال الأكفاء هو العامل الحقيقي في نجاح الحكومات من عدمه.

عيِّن إس. راجارتنام أول وزير خارجية لسنغافورة بعد الاستقلال، وكانت هموم راجاراتنام تتمحور حول حماية استقلال سنغافورة، وتوسيع مدار صداقاتها في العالم. فاتخذ مبدأ الحيادية في العلاقات الخارجية أساسا للسياسة الخارجية لسنغافورة، وشكل هذا المبدأ أساسا مهما لعلاقة سنغافورة بالعالم مع اشتداد الحرب الباردة، فمكنها ذلك من المحافظة على علاقات دبلوماسية مع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي، واستقبال بارجات الدولتين في موانئها بدون وجود أي إشكال. وكان راجاراتنام يرى بأن الدول الصغيرة لا بد أن تحافظ على حيادها؛ مما يعطيها فرصة للتعامل مع جميع القوى، والاستفادة من تقاطعات المصالح بين هذه الدول. وإن دخول الدول الصغيرة في تحالف رسمي مع الدول العظمى يفقدها استقلاليتها تدريجيا، ويحفز القوى المضادة على مواجهة هذه الدول الصغيرة.

لم يكن راجارتنام قصير النظر في تقييمه لموقع سنغافورة؛ إذ رأى عام 1972 بأن على سنغافورة تجاوز إقليمها لتصبح مدينة عالمية، وأن تحول سنغافورة لمدينة عالمية يمهد لها لتحصل على نفوذ أكبر؛ إذ إن الترابط في نظام اقتصادي دولي يوفر لها مساحة أكبر للحركة، أكثر من النظام الاقتصادي الإقليمي. كما وفر الترابط الاقتصادي لسنغافورة حماية أكبر، بوجود مصالح لشبكات عالمية في سنغافورة، لتجد الحماية ضد أي تجاوز من دولة إقليمية.

كان من أبرز إنجازات راجاراتنام تأسيس منظمة “آسيان” لتقوية التعاون الاقتصادي الإقليمي لدول جنوب شرق آسيا. وكان يعتقد بأن آسيان ستعطي سنغافورة مساحة أكبر؛ لتكون مركزا إقليميا للتجارة ونقل الأموال، وأن التعاون الاقتصادي سيساهم في تخفيف التوتر بالمنطقة. واتسع مدى اهتمام المنظمة ليشمل المواضيع السياسية بعد اجتياح فيتنام لكمبوديا، وتأسيس نظام موال للشيوعية بكمبوديا عام 1978.

بدأ إس. راجارتنام بمواجهة هذا الاجتياح في المنظمة، وحث أعضاءها على مواجهة التهديد الشيوعي. يذكر الباحث المرموق وأمين وزارة الخارجية السنغافورة السابق، كيشور محبوباني، بأن وزير الخارجية راجاراتنام حضر قمة عدم الانحياز بكوبا عام 1979، وقامت كوبا بإعطاء كرسي كمبوديا للنظام الجديد. وحضر راجاراتنام اجتماعا للقادة ممثلا لسنغافورة، وكان وزير الخارجية الوحيد ضمن مجموعة من القادة منهم صدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي، وكانوا كلهم موالين للاتحاد السوفياتي، فقام بالرد على حجج قادة قمة عدم الانحياز رغم الرعب، الذي قد ينتاب أي مسؤول في حضور هؤلاء القادة. بعدها بشهر وبمجهود كبير من سنغافورة ودول منظمة آسيان، فشلت كمبوديا في الحصول على مقعد في الأمم المتحدة.

رغم انشغاله بالسياسة وتفاصيلها إلا أن راجاراتنام كان مفكرا بالمقام الأول، ولم تفقده ضغوطات الحياة اليومية القدرة على التفكير والتنظير. وفي خطاب له عام 1979 محللا لأحوال سنغافورة ومستقبلها، ذكر أن الدكتور العطاس، وهو سنغافوري من أصول حضرمية، أعطاه كتاب “مقدمة ابن خلدون”، واستغرب تجاهل المؤرخين لهذا العالم العظيم. وتحدث عن مفهوم العصبية عند ابن خلدون، وقيام الدول وسقوطها عبر 3 أجيال بمجموع ما يقارب 120 سنة. وذكر أن سنغافورة في عهده تمر بالجيل الأول، وهو جيل العصبية الذي بنى الدولة وتعب في تكوينها، وحذّر من الإفراط في التمتع بمنجزات الحضارة، وتمنى أن تحافظ الأجيال على العصبية لتحفظ الدولة. إلا أنه خالف ابن خلدون ورأى أن إرادة الإنسان تستطيع كسر هذه الحتمية التاريخية. كذلك في خطاب آخر عام 1979، استشرف راجاراتنام انتصار الولايات المتحدة الأميركية في صراعها مع الاتحاد السوفياتي قبل ما يقارب 10 سنوات من انهيار الاتحاد السوفياتي، وكون النجاح الاقتصادي مقدمة لتقليد النظم السياسية؛ مما يجعلنا ندقق النظر في نجاح النموذج الصيني، وتأثيراته على العالم.

إن السيد راجاراتنام مثال جدير بالدراسة لما يمكن للدول الصغيرة أن تحققه بوجود كفاءات ذات فكر عميق. وحاولت هذه المقالة إبراز جانب من تنظيره السياسي، وآثاره في خدمة السياسة الخارجية السنغافورية بما حقق لها نجاحا منقطع النظير في نيل الاعتراف السياسي، وتخفيف العداوات، وكسب الأصدقاء بدون أن تعرج على جوانب أخرى من حياته الطويلة. ويعد المجهود الذي قدمه منقبة للي كوان يو، الذي آمن بفكر وزيره واعتمد عليه لخدمة مصالح سنغافورة لمدة طويلة.

المصدر : مدونات الحزيرة

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

− 2 = 3