تظاهر سكان بروكسل، الجمعة الماضية، في ساحة البورصة، تزامنًا مع مرور ستمائة يوم كاملة من دون حكومة إقليمية فاعلة ومن دون وزير-رئيس، في سابقة غير مسبوقة في عاصمة الاتحاد الأوروبي.
ولدى سكان Brussels أسباب وجيهة لفقدان الثقة في الطبقة السياسية المحلية. فطول أمد هذه الأزمة القياسي يشلّ عملية اتخاذ القرار في وقت تواجه فيه المنطقة تراكُمًا خطيرًا من التحديات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية. ولم يعد السؤال المطروح اليوم هو: من المسؤول عن هذا الانسداد؟ بل: أي نوع من القيادة السياسية قادر على إخراج بروكسل من هذا المأزق المزمن والانتقال نحو حكومة فاعلة؟
لعبة تبادل الاتهامات
لا يزال عدد كبير من الفاعلين السياسيين عالقين في منطق دفاعي عقيم، يقوم على تبادل اللوم. فزعماء الأحزاب يواصلون توجيه أصابع الاتهام إلى بعضهم البعض، كلٌّ يشرح لجمهوره لماذا يتحمّل الآخر مسؤولية فشل تشكيل الحكومة. وقد يكون هذا السرد مريحًا سياسيًا على المدى القصير، لكنه لا يقود إلى أي مخرج عملي.
ورغم استمرار النقاشات حول سيناريوهات التحالفات المحتملة، فإن الإشكال — كما يرى بعض المراقبين — أعمق من مجرد توزيع الحقائب أو التوازنات العددية. إنه إشكال في طريقة تعريف الهدف السياسي نفسه.
عندما تصبح الكلمات عائقًا
في السياسة، للكلمات وزن حاسم. وتغيير اللغة قد يغيّر دينامية العملية بأكملها. من هذا المنطلق، يبدو أن مصطلح “الائتلاف الحكومي” لم يعد الإطار الأنسب لوصف ما تحتاجه بروكسل اليوم.
فبدل الحديث عن “ائتلاف”، يُقترح اعتماد مفهوم “ميثاق” — مثل “ميثاق الاستقرار والإنعاش لبروكسل”. ذلك أن كلمة “ائتلاف” توحي، في المخيال السياسي العام، بوجود رابحين وخاسرين، وباصطفاف إيديولوجي واضح، وبمشروع سياسي مشترك طويل الأمد. حتى عندما لا يكون هذا هو الواقع، فإن هذا الإيحاء وحده يكفي لإثارة تحفظات داخلية لدى بعض الأحزاب، التي لا ترغب في إرسال مثل هذه الإشارات إلى قواعدها الانتخابية.
كما أن خطاب الائتلاف يُبقي التركيز منصبًا على الانقسام: من يقود؟ من يتبع؟ من تنازل؟ ومن منح الشرعية لمن؟ هذا الإطار السردي يُصلّب المواقف، ويغذّي المقاومة داخل الأحزاب، لأن لا أحد يريد أن يُنظر إليه باعتباره “التحق بأغلبية غيره”.
من الائتلاف إلى الميثاق
في المقابل، يعكس مفهوم “الميثاق” منطقًا مختلفًا: تقاسم المسؤولية بدل الهرمية السياسية. فالائتلاف يطلب من الأحزاب الاصطفاف، بينما يطلب الميثاق منها التصرّف بمسؤولية أمام وضع استثنائي.
إضافة إلى ذلك، فإن منطق الائتلاف يفرض مسؤولية جماعية كاملة: كل الشركاء يتحملون كلفة كل قرار. أما الميثاق، فيتيح مسؤوليات متمايزة، وملكية قطاعية أو موضوعاتية، ومرونة في الظهور السياسي. وبذلك، يمكن لكل حزب أن يساهم في المجالات التي يمتلك فيها خبرة أو قوة، من دون أن يتحمّل العبء السياسي لكل السياسات العامة.
وأخيرًا، يبدو “الميثاق” أكثر تقنية، وأضيق نطاقًا، وأكثر براغماتية. وهو ما يسهّل المصادقة الداخلية داخل الأحزاب، ويمنحها سردية واضحة تجاه ناخبيها: لم نغيّر خطنا السياسي، بل تحملنا مسؤولياتنا في لحظة حرجة لبروكسل.
قراءة تحليلية
تكشف أزمة بروكسل أن الانسداد السياسي ليس دائمًا نتاج خلافات جوهرية بقدر ما هو نتيجة إطار لغوي وسردي غير ملائم. فالتمسك بمفهوم الائتلاف في سياق شديد التفكك يحوّل كل تفاوض إلى معركة رمزية حول الشرعية والهيمنة. إعادة تعريف الهدف في شكل “ميثاق استثنائي” لن تحلّ كل الخلافات، لكنها قد تخفف التوتر، وتعيد فتح قنوات الحوار، وتخلق شروط الحد الأدنى من الفعل السياسي. وفي زمن الشلل القياسي، قد يكون اختيار الكلمات الصحيحة هو الخطوة العملية الأولى نحو استعادة الثقة والقدرة على الحكم.