علي عقلة عرسان يكتب : الطَّاسَةُ السَّاحِرَة

علي عقلة عرسان

علي عقلة عرسان *

في جُزْءٍ من الجُمجة البشرية طَاسَةٌ سِحْريّة ساحِرَة، تُسمى تجويف القحف الدماغي، يتراوح حجم ما تستوعبه ما بين 1200 ـ 1700 سم مكعب فقط.. فضاؤها يطاول الفضاء ويغزوه وينغرس في عمق كوكبنا الأرض انغراس أوتادها في الأعماق. في فضائها ذاك عالمٌ، ويا له من عالم لا أغرب ولا أعجب ولا أرحب، عالمٌ تعج فيه الأفكار والأحلام والتطلعات وتشع، وتتزاحم فيه التناقضات وتجتمع النقائضُ.. فيه النجاح والفشل، القدحُ والذَّم، الرثاء والغزَل، الطرب والغضب، الشحيج والنشيج.. عواصفه تكاد تداني عواصف البحار الهوج، وحين تهيج تحمل حاملها والمحمول إلى المجهول.

في فضاء تلك الطاسة الساحرة صليلُ سيوف وحروف، حيواتٌ وحتوف، طموحات وتحديات، مخططات واستراتيجيات ومرتسمات لوقائع، وبطولات وفظائع ومهلكات منهكات في الواقع، وحروبٌ ذات خنادق وخطوط دفاع ومنصات هجوم.. وهناك أوكار لهموم وكروب، لمودة وبُغض، ومحبة وكراهية. رَمَّاحُ ذلك الفضاء خيالٌ ينتج المِخيال ويبدع الأقوال بقدرة بديع السماوت والأرض..

فيا الله كم أنت عظيم إذ جعلت لنا في هذا الحَيِّز الضيق ـ الواسع من رؤوسنا، ما يدور في العالم ويدير فيه ما يدير ويصيب أناسه بالرعب ويُصاب هو بالضَّعف والدُّوار.. ويبقى متربعاً على عرش متشبثٍ بما يمكِّنه من هزِّ العروش.. وحين يلمع سيف أمرك، يلزم نعشه، ويسألك أن يستظل بظل عرشِك يوم لا ظل إلَّا ظل عرشك.

في بعض الأوقات أقاربُ عالم الطاسة الساحر “فأرى ما يحيّرني ويدهشني ويثير أسئلتي: “أفي هذا الوعاء المحمول على أوتاد من عُظيمات نحيفات تكمن كل هذه الطاقات والقدرات والأسرار والخفايا، وما لا يعلمه إلا الله سبحانه.؟! أفيه كلُّ هذا الذي يجعل الإنسان يعيش ما يعيشه من مقبول ومرذول، ويدخل مداخل الضلال والهدى بكل ما فيها من عتمة ونور وظلال.. ويبقي على شيءٍ من التوق والتجدد؟! يبني عالمه ويرى العالم ويتفاعل ومعه ويفعل فيه، يشمخ ويرضخ.. ويسبب لذاته وللآخر وللطبيعة والمخلوقات كلَّ هذه الاهتزازات والارتجاجات.. حتى إذا أصاب محتوى الطاسة ارتجاج قوي سكت وسكن.”؟!

في انبلاج فجر يوم من أيام شهر الصوم، تشاوفت عيناي وتسامقت بصيرتي فرَنيتُ إلى الطاسة الساحرة لأقاربها وهي ممتلئة ببعض ما أشرت إليه فخلتها تَوِجُّ كالفَلَك الزاهر البهي يتفتق ومضاً في الغموض، وتصورتها وقد ركدَت فأصاب محتواها العفَن وأُفرغ كل ما فيها أو انكمَشَ وجفَّ وتناثر أو تَبَدَّد فإذا هي قحفٌ عظمي فارغ هشٌّ لا يسر الناظر إليه ولا يثير غُباراً ولا ينير ذُبَلاً ولا يغيِّرُ أو يأبه به التغيير.. فارتددت إلى ذاتي أنظر إليها في مرآتها / مرآتي لأراها وهي تستكين في ذلك “القُحف”.. وبينما أتملَّاها وثب إليَّ من جُزيء في هذا الجزء الذي هو مني، من تلافيف تلك الطاسة الساحرة التي تملك أمري.. وثبَ إليَّ شخصٌ عرفت أنه يقبع في داخلي ويداخلني.. شخصٌ يراقبني ويراقب العالم بي كأنني مرآته أو المجهر الذي ينظر من خلاله ليكتشف ما يضعه تحت الاختبار من أفكار وتخيّلات وأقوال وأحداث وشخصيات .. شخصٌ يدقق بكل ما يمرّ بي، وبما تتصفحه عيناي ويلامسه مخيالي ويتطاول إليه خيالي وكل ما يخطر على بالي.. يفحصُ أفعالي ويمحِّصُ ردود فعلي على ما يعترضني أو يعرِضُ لي وعلى مراقبته لي وكيفية تعاملي معه، ويحقق ويدقق..

يراني غريباً عجيباً آناً، ويراني أضيق به وبمن وبما حولي آناً، فيرمقني كأنه يكاد يحار في تصنيفي “أعاجزٌ متردِّد أم ثائرٌ متمرِّد أم..؟! في أكثر الأوقات والحالات يراني ممتثلاً لحقيقة أن الحياة تكليف واختبار وامتحان وابتلاء، ومن ثم فهي تحتاج إلى سعي وتسليم من المخلوق لمن خلق، بكل المعاني والأبعاد والدِّلالات التي لهذا النوع الإيمانيِّ من التسليم.. فالله هو الذي خلق وقدَّر وكلَّفَ وهَدى، وخلق الموت والحياة ليبلوَ البشرَ أيّهم أحسنُ عملاً..

أقول من الأفضل ألَّا نتكبر أو نكابر، وألا نأتي أفعالاً لا تُرْضي، نكتمها فتحكمنا ويتحكم بنا كمٌّ من الأسرار نضيق به ويحجُب عنّا الرؤية وأمناً نحن أحوج ما نكون إليه، فنحن في الغابة البشرية والوحوش ضَوارٍ.. وأن أفضل أَنواع الأمان وأكثرها إراحة ألا يكون عندنا ما إذا انكشف حرمنا الأمان وهدد حياتنا والرَّاحة.. وأنَّ علينا ألا نأتيَ من الأفعال ما يرتب علينا أن نخفيه، لأننا إن نجحنا في ذلك مع الخلق فلن ننجح به مع خالق الخلق، الله الذي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ19 ـ غافر.

يقاربني ذلك الشخص ويقاومني، وفي بعض الأحيان يسايرُني ويساندُني فأشعر بامتلاء وقوة، ففي حياتي لم أعتمد على مَن يساندني أو على مَن أسند به وجودي، إذ مَن لا يقف إلَّا بسَنَدٍ يسقط إذا زال السَّنَد أو هَزُل.. وفي أحيان يماهيني، يذوب فيَّ وأذوبُ فيه فلا يقف على مسافة مني رَصَداً علي وعيناً عليَّ.. يشعر بشعوري ويتألم لألمي ويَبكِيني ويبكي مثلي وعليّ، ويستشعر ألمي على غيري ممن يحزنني وضعهم أو يُبكِّيني شقاؤهم وتُجْحِمُني مصائرُهم أو يطمرني الهم والغم لما يلقون من ظلم..

يطاولني ذلك الشخصُ وينوفُ عليَّ قامة أحياناً، ويتطاول في داخلي كظل سامق لقامة شخص عملاقٍ أو راغب في العَمْلَقَة، ويغريني بل يطلب مني أن أفعل فعله لا أن أمتثل له فقط.. ويجادلني في ذلك بدعوى أنني مدعوٌّ للفعل والمبادرة والاختيار ومكلَّف بذلك تكليفاً، وأنَّ عليَّ أن أفعل ما أستشعر ضرورته وما يجلني أشعر بأنني حرٌّ أحيا وأفكِّرُ وأقرر، وبأن عليَّ أن أقوم بما أرى أنه اختياري بل واجبي في التأمل والتدبّر والتحرر والاختيار عملاً بـ”وهديناه النجدين”، فأنا أختار بحرية والحرية اختيار، وإعْمالُ الاختيار واجبٌ وحرية..

وإنَّ تَحمُّلَ مسؤولية ما نختار يعطينا الثقة ويشعرنا بقيمة وجودنا في الحياة وبقيمة الحياة ذاتها، وبأهمية دورنا فيها وقدرتنا على التغيير والتجديد.. فنحن نُسأَل عما نفعل وعما لا نفعل، ونُسأل إذا تكلمنا وإذا سكتنا.. نُسأل لأننا أحرارٌ اخترنا.. وإلا فما معنى أن نُسأَل ما دمنا لا نختار؟! إننا لسنا كدابَّة الأرض فقد فضَّلَنا الله على كثير مما خلقَ تفضيلا، ولم يخلقنا عبثاً ولسنا عبئاً على الوجود؟!

يجادلني ذلك الشخص الذي يثِبُ إليَّ من جزيء هو جزء مني يقبع في نسيج داخلي.. يَرُوِّضني وأُرَوِّضه، ونبقى في جدال وسجال وكرٍّ وفرٍّ.. لكنَّا في قَرَن واحد، تحت نير واحد، في درب واحد، ننتظر مصيراً واحداً ونتقاسم التدابير والمقادير.. وتلك مشيئة الله وطبيعة الخلق.. فسبحان الله الذي خلق لنا من أنفسنا أزواجاً، وأحسن خلقنا وصوَّرنا فأحسَن صُوَرنا وهو أحسن الخالقين، والحمد لله ربِّ العالمين على كل حال وفي كل آن.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

+ 48 = 55