لطالما قُدِّم النظام الدولي، وخاصة لدول الجنوب العالمي، على أنه «نظام قائم على القواعد» يرتكز على القانون، والديمقراطية، والتجارة الحرة، والمساواة في السيادة. غير أن هذا الخطاب، بالنسبة لعدد كبير من النخب الواعية وصنّاع القرار والباحثين، كان منذ وقت طويل موضع شك عميق، إن لم يكن زائفًا في جوهره.
فما يُسمّى بالنظام الدولي القائم على القواعد نادرًا ما طُبِّق بشكل متكافئ. عمليًا، جرى تطبيقه بانتقائية واضحة: يُفرض بصرامة على الدول الضعيفة، ويُطبَّق بشكل متذبذب على الدول المنافسة، ويُتجاهل كليًا تقريبًا عندما يتعلق الأمر بالقوى الكبرى.
في السياسة والتجارة والاقتصاد، يظهر هذا الخلل بوضوح. فالعقوبات، والحواجز التجارية، والمعايير القانونية، وآليات الضغط المؤسسي تُفعَّل بسرعة عندما تحيد الدول الأضعف عن «القواعد»، بينما تُعاد صياغة الانتهاكات ذاتها على أنها «استثناءات» أو «ضرورات استراتيجية» عندما تصدر عن القوى المهيمنة.
حين تعترف القيادات الغربية بالتناقض
في السنوات الأخيرة، بدأ هذا التناقض يُعترف به — ولو بحذر — حتى من داخل النخب الغربية نفسها. ففي منتديات عالمية مثل المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، تحدث عدد من المسؤولين الغربيين، ومن بينهم رئيس وزراء كندا، عن أزمة المصداقية المتزايدة التي تواجه المؤسسات الدولية.
ورغم أن هذه التصريحات لم تُقدَّم بوصفها اعترافًا مباشرًا، إلا أن الرسالة كانت واضحة: النظام الدولي الذي رُوِّج له على أنه محايد وقائم على قواعد عادلة، تحوّل في الواقع إلى أداة تحافظ من خلالها القوى الكبرى على تفوقها الاستراتيجي والاقتصادي والجيوسياسي.
لقد فشلت المؤسسات الدولية، في كثير من الحالات، في أداء دور الحكم المحايد، وأصبحت تخدم مصالح القوى المهيمنة، بينما تقيّد هامش الحركة والتنمية للدول الأضعف. هذا التشخيص لم يعد راديكاليًا؛ بل بات جزءًا من النقاش السائد داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية الغربية نفسها، سواء تعلق الأمر بصندوق النقد الدولي أو بنظام التجارة العالمي أو غيرهما من الأطر المؤسسية.
ترامب كمرآة كاشفة لا كاستثناء
أحرجت ظاهرة دونالد ترامب قطاعات واسعة من النخب الأمريكية والغربية، لا سيما أولئك الذين يؤمنون — بصدق — بإمكانية نظام دولي أكثر عدلًا قائم على التعاون والمساواة بين الشعوب.
لكن ما تعترف به هذه النخب، وإن على مضض، هو أن ترامب لم يبتدع منطق الهيمنة، بل كشفه. كشفه بفظاظة، وبلا مواربة، ومن دون الغطاء الأخلاقي واللغوي الذي اعتادت الإدارات الأمريكية السابقة استخدامه.
فبينما غلّفت الإدارات السابقة سياسات القوة بلغة الديمقراطية وحقوق الإنسان، عبّر ترامب عن الطموحات الأمريكية بلغة صريحة، تقوم على المعاملات، والنزعة القومية، والإكراه المباشر.
وبذلك، أسهم — من حيث لا يقصد — في تعرية حقيقة يعرفها كثيرون: خلف كل رئيس أمريكي بنية سلطوية راسخة، غالبًا ما يُشار إليها بـ«الدولة العميقة»، تحدد الأولويات الاستراتيجية بمعزل عن التغييرات الانتخابية.
غرينلاند ومنطق القوة
يُعدّ حديث ترامب عن ضم جزيرة غرينلاند مثالًا صارخًا على هذا المنطق. ورغم السخرية الواسعة التي قوبل بها الطرح، إلا أنه كان كاشفًا من الناحية التحليلية. فالأمر لا يتعلق بالمصلحة العامة للمجتمع الأمريكي، بل بالمنافسة الجيوسياسية، والسيطرة على القطب الشمالي، والموارد الاستراتيجية.
هذه الطموحات لا تنبع من شخص ترامب وحده، بل تعكس حسابات استراتيجية متجذرة داخل المؤسسة الأمنية والاقتصادية الأمريكية. الجديد فقط هو أن ترامب عبّر عنها بلا قيود دبلوماسية.
والأهم أن هذه الطموحات لا تحقق أي مكاسب حقيقية للمواطن الأمريكي العادي، بل تخدم مصالح عسكرية وشركات كبرى، ما يعزز فكرة أن النظام الدولي تحكمه موازين القوة لا القواعد المشتركة.
دافوس وأزمة الشرعية
في دافوس، بات القلق واضحًا. تدرك النخب الغربية اليوم أن الشرعية الأخلاقية للنظام العالمي تتآكل بسرعة. تغيّرت اللغة: من الثقة إلى القلق، ومن الاحتفاء إلى محاولة احتواء الضرر.
تُطرح الآن مفاهيم مثل «إصلاح العولمة» و«استعادة الثقة» و«إعادة التفكير في المؤسسات»، لكن من دون معالجة الخلل الجوهري — أي التطبيق غير المتكافئ للقواعد — ستظل هذه النقاشات سطحية.
الأزمة ليست جيوسياسية فحسب، بل أخلاقية وبنيوية في آن واحد. فالنظام الذي يدّعي العالمية ويمارس الانتقائية لا يمكنه الحفاظ على شرعيته إلى الأبد.
خلاصة
تتلاشى أسطورة النظام الدولي القائم على القواعد. وما سيحل محلها لا يزال غير واضح.
لكن المؤكد أن الوعي العالمي قد تغيّر. فعدد متزايد من الدول والنخب والمجتمعات بات يدرك أن القانون الدولي والمؤسسات العالمية كانت — في كثير من الأحيان — أدوات للهيمنة أكثر منها آليات لتحقيق العدالة.
لم يكن ترامب سبب هذا الوعي، بل مسرّعًا له. ولم يكشف دافوس المشكلة، بل بات يحاول احتواء تداعياتها.
السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كان النظام سيتغير، بل كيف: هل عبر إصلاح حقيقي، أم عبر قطيعة حادة، أم من خلال تآكل تدريجي لا رجعة فيه؟