“الانقلاب” في النيجر أمام وقف المساعدات الغربية،، هل يصمد؟ الصين وروسيا قد تمتلكان الإجابة

•همس نيوز
مع وقف دول غربية وإفريقية وهيئات دولية مساعداتها لدولة النيجر، والمقدّرة بنحو ملياريْ دولار، وفق البنك الدولي، فإنه من الصعب على قادة الانقلاب العسكري تمويل مشروعهم لحكم أحد أفقر دول العالم وأكثرها نمواً سكانياً.

فالنيجر بلد حبيس، لا منافذ بحرية له، وأغلب صادراته تمر عبر بنين ونيجيريا، المطلتين على خليج غينيا والمحيط الأطلسي، والعضوتين في المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكواس). لكن كيف يمكن للنيجر النجاة من قطع هذه العقوبات؟ وما الدول التي يمكن أن تساعدها في هذا الموقف؟
الصين وليست فرنسا الممون الأول للنيجر

يقول تقرير لوكالة الأناضول، إنه إذا فرضت الولايات المتحدة وفرنسا ومعها دول إيكواس حصاراً اقتصادياً على النيجر، فإن الأخيرة قد تجد نفسها في وضع لا تحسد عليه. لكن الحقيقة التي تغيب عن كثير من المتابعين والمحللين أن الصين (وليست فرنسا) الممون الأول للبلاد، وفق “مرصد التعقيد الاقتصادي” (oec) الأمريكي، الذي يتضمن بيانات التجارة العالمية.

والصين لم تعلن بعد انخراطها في أية عقوبات ضد قادة الانقلاب العسكري في النيجر الذي أطاح بحكم الرئيس محمد بازوم، وهو أمر لافت ينبئ عن موقفها المغاير للغرب.
النيجر.. فقر مدقع ونمو سكاني مرتفع

وتعتبر النيجر من أفقر دول العالم، إذ يعيش أكثر من نصف سكانها (50.6%)، تحت مستوى خط الفقر (1.9 دولار يومياً). حيث لا يتجاوز الناتج الفردي الخام 610 دولارات في عام 2022، لكنه ارتفع قليلاً مقارنة بعام 2020، حيث لم يتجاوز حينها 550 دولاراً، وفق بيانات البنك الدولي.

واحتلت البلاد المرتبة 175 عالمياً من حيث الناتج الفردي الخام (مؤشر الغنى والفقر) في عام 2021، والمرتبة 124 عالمياً من حيث الناتج الداخلي الخام (مؤشر حجم الاقتصاد).

ورغم معدل الفقر المرتفع، فالزيادة السكانية من بين الأعلى دولياً، وتبلغ 3.9% سنوياً. إذ ارتفع عدد السكان من قرابة 20 مليون نسمة عام 2016 إلى 26.2 مليون نسمة في عام 2022. واحتلت البلاد المرتبة الأخيرة بين 188 بلداً في مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية، لعام 2015.

وما فاقم الوضع أكثر أن 80٪ من مساحتها صحراء قاحلة، وتعاني من تغير المناخ والفيضانات الفجائية والجراد الصحراوي الذي يأتي على محاصيل البلاد المحدودة، خاصة على ضفتي نهر النيجر، وبحيرة تشاد المهددة بالجفاف.
اقتصاد النيجر الصغير ينمو بسرعة

على الرغم من صغر حجم اقتصاد النيجر (المرتبة 124 عالمياً)، إلا أنه سجل نسبة نمو عالية بلغت 7% عام 2022، وفق مسؤولين محليين. بل إن البنك الدولي قدّر نسبة نمو الناتج الداخلي بـ11.5% في العام ذاته، وهي نسبة مرتفعة جداً، وقلة من الدول وصلت إليها.

ويمكن إرجاع هذا النمو المرتفع إلى عدة أسباب أبرزها بداية تصدير كميات قليلة من النفط المكرر، وارتفاع قيمة الصادرات، التي قفزت من 1.25 مليار دولار في عام 2016 إلى 3.78 مليار دولار في عام 2021، وفق مرصد OEC، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار اليورانيوم في السوق الدولية.

حيث شكل الذهب الخام 71.4% من صادرات البلاد (2.7 مليار دولار)، تليه البذور الزيتية (344 مليون دولار)، والمواد الكيميائية المشعة مثل اليورانيوم (297 مليون دولار)، والبترول المكرر (235 مليون دولار)، وفق المصدر ذاته.
ما هي الدول التي تمتلك الحصص الكبرى من صادرات النيجر؟

تستحوذ الإمارات، وفق المرصد الأمريكي، على معظم صادرات النيجر بقيمة 2.68 مليار دولار، أو ما يعادل 70.8%، تليها الصين (344 مليون دولار) ثم فرنسا (197 مليون دولار)، وتأتي حليفتا انقلابيي النيجر بوركينا فاسو (123 مليون دولار) ومالي (110 ملايين دولار)، في المرتبتين الرابعة والخامسة على التوالي.

وبلغت واردات النيجر في العام نفسه 2.33 مليار دولار، أهمها الأرز (275 مليون دولار) والسيارات (113 مليون دولار)، والتبغ (نحو 70 مليون دولار).

وأبرز الموردين للنيجر هم: الصين (441 مليون دولار) وفرنسا (193 مليون دولار) والولايات المتحدة (185 مليون دولار) ونيجيريا (180 مليون دولار) والهند (175 مليون دولار)، وفق مرصد OEC.
هل تصمد النيجر بعد تعليق المساعدات الدولية عنها؟

بالنظر إلى وضعها المتميز كحليف رئيسي لفرنسا والولايات المتحدة، واحتضانها لقواعد عسكرية للبلدين، استفادت النيجر من عدة مساعدات في شكل قروض ومنح ومشاريع تنموية ومساعدات إنسانية، قدّرها البنك الدولي بنحو ملياري دولار سنوياً.

حيث حصلت النيجر على نحو 100 مليون دولار مساعدات من “وكالة التنمية الفرنسية” في 2021، وخصص الاتحاد الأوروبي نحو 500 مليون يورو لدعم النيجر بين عامي 2021 إلى 2024، ناهيك عن مئات ملايين الدولارات من المساعدات سنوياً من الولايات المتحدة.

وهناك دعم من المؤسسات الدولية، مثل البنك الدولي، التي تقدم قروضاً وتمويلات لمشاريع تنموية، أو المنظمات التابعة للأمم المتحدة التي تقدم مساعدات إنسانية للمجتمعات الفقيرة في البلاد، والتي تعاني من سوء التغذية وضعف الخدمات التعليمية والصحية، خاصة الأطفال والنساء.

وإجمالي هذه المساعدات يمثل نحو 86٪ من واردات البلاد، وفق حسابات وكالة الأناضول، ما يجعل البلاد بحاجة ماسة لهذه المساعدات، خاصة الفئات الهشة من السكان.

وعلى المدى المتوسط والطويل، من شأن توقف المساعدات الدولية أن يؤثر على قدرة قادة الانقلاب على الصمود أكثر، أمام حاجة أكثر من نصف السكان إلى الغذاء والعلاج.
كيف يمكن للنيجر تحمل عبء قطع المساعدات؟

لكن في المرحلة الأولى يمكن لـ”الانقلاب” في النيجر تحمل عبء العقوبات الدولية على غرار حلفائه في مالي، خاصة أن النسبة الأكبر من الصادرات تذهب إلى الإمارات التي تشتري معظم الذهب الخام للبلاد، ولم تعلن أنها ستفرض عقوبات على النيجر. فضلاً عن أن مالي وبوركينا فاسو زبونان رئيسيان للنيجر، خاصة بالنسبة للبذور الزيتية، وموقفهما داعم للانقلابيين.

يبقى أن فرنسا المستورد الرئيسي لليورانيوم الذي يمثل أقل من 9% من صادرات النيجر، التي تعد من كبار المنتجين له، ويغطي ربع احتياجات القارة الأوروبية، حيث تستخدمه فرنسا في تشغيل المفاعلات النووية لإنتاج الطاقة الكهربائية.

فحاجة فرنسا ليورانيوم النيجر أكثر من حاجة الانقلابيين له، على الأقل في المدى القصير، لذلك قاموا بتعليق صادرات اليورانيوم والذهب، للضغط على باريس لتليين موقفها تجاه الانقلاب، والتراجع عن فكرة دعم التدخل العسكري الذي تلوّح به إيكواس.

وتنتج النيجر كمية قليلة من النفط لا تتجاوز 6 آلاف برميل يومياً، يستهلك الجزء الأكبر منه محلياً، كما ينقل منه جزء إلى نيجيريا، وشرعت البلاد في مد أنبوب لنقل النفط إلى ميناء “سيم” في بنين، بغية التحول إلى دولة إقليمية مصدرة للنفط رغم أن احتياطياتها تتراوح ما بين مليار وملياري برميل فقط، لكنها بمساعدة الصين والجزائر تسعى لمضاعفة الإنتاج والصادرات.

لكن هذا الأنبوب الذي أعلنت نيامي، في مارس/آذار الماضي، إنجاز 75% منه، مهدد بالتعليق إذا ما قررت بنين وقف أشغاله على أراضيها، للضغط على الانقلابيين.
هل تنقذ روسيا والصين النيجر من مشكلة قطع المساعدات الدولية؟

نقطة أخرى موجعة للانقلاب في النيجر وجهتها لهم نيجيريا بعد قطعها الكهرباء عن البلاد، والتي تمثل 70% من الطاقة الإجمالية للنيجر، التي لا يحصل فيها سوى نحو 18.6% من السكان على الكهرباء، وفق بيانات البنك الدولي (2021).

وأغلب جوار النيجر، باستثناء نيجيريا وبنين، لا يفرضون غلقاً لحدودهم البرية والجوية أمام بضائع البلاد، بدليل أن نيامي أعلنت في 2 أغسطس/آب فتح حدودها مع الجزائر وبوركينا فاسو ومالي وليبيا وتشاد.

ويمكن للنيجر، أن تحول صادراتها نحو موانئ غينيا، مثلما فعلت مالي عندما تعرضت لعقوبات إيكواس، في إطار التضامن بين المجالس العسكرية في غرب إفريقيا.

فوقف المساعدات الغربية عن النيجر سيؤثر بشكل قاسٍ على شعبها، وعلى نموها الاقتصادي، لكن الانقلابيين لن يرموا “المنشفة” بسرعة، خاصة إذا ما تلقوا دعماً من الصين وروسيا، ناهيك عن رفض الأمم المتحدة وقف مساعداتها الإنسانية في البلاد، لإدراكها أن الفئات الهشة من الشعب هي من سيدفع ثمن هذه العقوبات.

•المصدر: عربي بوست

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

+ 8 = 18