بين مدريد وبروكسل: تسوية الهجرة بين البراغماتية الاقتصادية والحسابات السياسية

في وقت تتجه فيه أغلب الدول الأوروبية نحو تشديد سياسات الهجرة، اختارت إسبانيا مسارًا مغايرًا. فقد أعلنت الحكومة الإسبانية مؤخرًا عن مرسوم لتسوية أوضاع نحو 500 ألف مهاجر غير نظامي وطالب لجوء، في خطوة بدت، للوهلة الأولى، ككسر واضح للمزاج السياسي السائد في القارة. غير أن قراءة أعمق تكشف أن هذا القرار لا يندرج بالضرورة في خانة “الثورة السياسية”، بقدر ما يعكس عودة إلى أدوات قديمة لطالما استُخدمت في أوروبا عندما تلاقت الضرورات الاقتصادية مع الواقع الديمغرافي.

إسبانيا: عودة إلى أدوات مجرَّبة

تستند مقاربة الحكومة الإسبانية، بقيادة Pedro Sánchez، إلى منطق مزدوج: الاعتراف بواقع وجود مئات الآلاف من المهاجرين داخل البلاد، والاستفادة من مساهمتهم الاقتصادية بدل إبقائهم في الهامش القانوني. فالتسوية الجديدة، التي تدخل حيز التنفيذ في أبريل، تشترط الإقامة المسبقة أو طلب الحماية الدولية قبل نهاية 2025، إضافة إلى سجل جنائي نظيف، ما يجعلها تسوية “مقننة” لا عفوًا شاملًا.

هذا المنطق ليس جديدًا. ففي العقود الأولى من فضاء شنغن، لجأت دول أوروبية عديدة، خاصة في جنوب القارة، إلى برامج تسوية جماعية لتعزيز اقتصاداتها. وبين عامي 1996 و2008، شهد الاتحاد الأوروبي 43 برنامج تسوية في 17 دولة. وقد أثبتت هذه البرامج، وفق باحثين مختصين، فعاليتها في إدماج العمال، وتوسيع القاعدة الضريبية، والحد من الاقتصاد غير المهيكل.

في الحالة الإسبانية، يتزامن الإعلان عن التسوية مع انخفاض معدل البطالة إلى أقل من 10% لأول مرة منذ أزمة 2008، ما يعزز الانطباع بأن القرار ليس إنسانيًا فحسب، بل مرتبط أيضًا بالحاجة إلى سد فجوات حقيقية في سوق العمل، في ظل شيخوخة السكان وتراجع اليد العاملة.

بلجيكا: تسوية مستمرة بلا إعلان كبير

على عكس إسبانيا، لا تعتمد بلجيكا مقاربة “المرسوم الشامل”. فـ Belgium تُعد من الدول القليلة التي تعتمد آليات تسوية مستمرة، تستهدف أشخاصًا يمكنهم إثبات اندماجهم عبر العمل أو الروابط العائلية. ويُنظر إلى هذا النموذج على أنه أكثر استدامة وأقل عرضة لترك فئات خارج الإطار القانوني.

ويشير توماس هادلستون، الخبير في شؤون الهجرة بجامعة University of Liège، إلى أن هذا “المنطق البنيوي” يضمن عدم إقصاء فئات واسعة، كما يحدث أحيانًا في برامج التسوية الظرفية، حيث يُطلب من الأشخاص التقدم في آجال زمنية محددة قد لا يتمكن الجميع من احترامها، كما هو الحال في النموذج الإسباني الحالي.

ومع ذلك، فإن هذا النهج البلجيكي، رغم طابعه المؤسسي، يظل محدود التأثير من حيث الأرقام، ولا يرقى إلى معالجة شاملة لحجم الهجرة غير النظامية أو الطلب المتزايد على اليد العاملة في قطاعات حيوية.

ذاكرة التسوية وحدود الحاضر السياسي

تاريخيًا، لم تكن بلجيكا غريبة عن برامج التسوية الواسعة. ففي عام 2000، حصل نحو 40 ألف شخص على وضع قانوني بعد إطلاق برنامج وطني لتسوية الأوضاع. غير أن إعادة إنتاج سيناريو مماثل اليوم تبدو غير مرجحة.

فبحسب الباحثة أماندا كليكوسكي فون كوبنفيلس، فإن السياق السياسي الحالي — في ظل ائتلاف حكومي تقوده قوى يمينية فلمنكية، وعلى رأسها رئيس الوزراء Bart De Wever وحزب N-VA — يجعل أي تسوية جماعية جديدة أمرًا مستبعدًا في المدى المنظور. فخطاب التشدد، المرتبط بالهوية والأمن، بات عنصرًا مركزيًا في التوازنات الحكومية، حتى وإن تعارض مع الاحتياجات الاقتصادية الفعلية.

بين البراغماتية والجمود

تكشف المقارنة بين مدريد وبروكسل عن مفارقة أوروبية أوسع: الدول تعترف ضمنيًا بحاجتها إلى المهاجرين، لكنها تختلف جذريًا في كيفية ترجمة هذا الاعتراف سياسيًا. ففي حين تختار إسبانيا الإعلان الصريح عن تسوية واسعة، تفضّل بلجيكا إدارة الملف بهدوء وبآليات تدريجية، محكومة بسقوف سياسية صارمة.

وفي الحالتين، يظل السؤال الجوهري قائمًا: هل تتعامل أوروبا مع الهجرة بوصفها واقعًا بنيويًا طويل الأمد، أم كملف ظرفي يُدار وفق موازين القوى الداخلية؟ التجربة الإسبانية توحي بعودة البراغماتية الاقتصادية، بينما يعكس النموذج البلجيكي حدود الممكن سياسيًا في ظل صعود اليمين. وبين النموذجين، تتحدد ملامح سياسة هجرة أوروبية ما زالت مترددة بين الضرورة والإنكار.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

ما الجديد في الموقع
إشترك لمتابعة آخر المستجدات والمحتوى الجديد
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

22 − = 15