هشاشة الوحدة الأوروبية: أوكرانيا والصين والاختبار العابر للأطلسي

يلاحظ عدد متزايد من المراقبين أن الضغوط الخارجية نادرًا ما تبدأ باستهداف المؤسسات الأوروبية بشكل مباشر. فهي لا تُهاجم بروكسل أولًا، بل تختبر ما هو أضعف وأشد حساسية: القدرة على التماسك. وفي السياق الجيوسياسي الحالي، تحولت الوحدة الأوروبية من مبدأ مُفترض إلى متغير قابل للاختبار والشدّ وإعادة الصياغة.

أوكرانيا: وحدة تحت ضغط الزمن

في ملف أوكرانيا، بدا الاتحاد الأوروبي موحّدًا في العناوين الكبرى، لكنه متباين في التفاصيل. فالدعم العسكري والمالي، رغم استمراره، كشف تفاوتًا في الأولويات الوطنية: دول ترى في الحرب تهديدًا وجوديًا مباشرًا، وأخرى تتعامل معها باعتبارها أزمة خارجية مُكلفة اقتصاديًا.

وقد استغل الفاعلون الخارجيون هذا التفاوت بذكاء. فبدل مواجهة أوروبا ككتلة واحدة، جرى مخاطبة كل عاصمة وفق حساسياتها الداخلية: الطاقة، التضخم، الرأي العام، أو الحسابات الانتخابية. النتيجة لم تكن انهيار الوحدة، بل إبطاء ردّها — وهو في حد ذاته مكسب استراتيجي لمن يسعى إلى إنهاك التوافق الأوروبي مع مرور الوقت.

الصين: اختبار التماسك عبر الاقتصاد

في العلاقة مع الصين، يظهر الاختبار بشكل أكثر هدوءًا، لكنه لا يقل عمقًا. فبكين لا تضغط عبر المواجهة المباشرة، بل من خلال تفكيك المصالح الأوروبية: شراكات تجارية هنا، استثمارات هناك، وعقود بنى تحتية تُربط بدول أكثر من ربطها بالاتحاد ككل.

هذا الأسلوب يجعل من الصعب بلورة موقف أوروبي موحّد. فالدول التي ترى في الصين شريكًا اقتصاديًا أساسيًا لا تنظر إليها بالمنظار نفسه الذي تعتمد فيه دول أخرى خطاب “المنافس المنهجي”. وبهذا، تصبح الوحدة الأوروبية مكلفة سياسيًا، لأن الحفاظ عليها يعني التضحية بمكاسب وطنية قصيرة الأمد.

العلاقة عبر الأطلسي: وحدة أم تبعية؟

أما في العلاقة مع United States، فإن التحدي يأخذ طابعًا أكثر تعقيدًا. فالشراكة عبر الأطلسي تظل ركيزة أمنية لا غنى عنها، خصوصًا في ظل الحرب في أوكرانيا. غير أن هذا الاعتماد ذاته يطرح سؤالًا قديمًا متجددًا: هل تستطيع أوروبا الحفاظ على وحدة قرارها الاستراتيجي في ظل اختلال ميزان القوة؟

ففي لحظات التوتر، لا يُطلب من أوروبا فقط أن تكون موحّدة، بل أن تكون منسجمة مع الإيقاع الأمريكي. وعندما تتباين الأولويات — في التجارة، أو التكنولوجيا، أو إدارة الصراع مع الصين — تظهر خطوط التصدع داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، لا بينه وبين واشنطن.

من وحدة القيم إلى وحدة الفعل

في أوساط النخب الأوروبية، أعادت هذه التطورات فتح نقاش جوهري: هل تكفي القيم المشتركة والأطر القانونية للحفاظ على التماسك؟ التجربة الأوكرانية، والاختبار الصيني، والضغط العابر للأطلسي، تشير جميعها إلى أن الوحدة من دون قدرة تنفيذية تبقى هشّة أمام فاعلين لا يترددون في تجاوز القيود الإجرائية.

ويرى محللون استراتيجيون أن المشكلة ليست إيديولوجية، بل بنيوية. فقوة أوروبا تكمن في قدرتها على تجميع المصالح، لكن هشاشتها تظهر عندما يسهل فصل هذه المصالح تحت الضغط. فالفاعلون الخارجيون لا يحتاجون إلى مواجهة أوروبا، بل يكفيهم تفتيت ردّها.

الاستقلالية الاستراتيجية: من الشعار إلى الضرورة

في هذا السياق، يكتسب مفهوم “الاستقلالية الاستراتيجية” معنى عمليًا جديدًا. فهو لا يعني القطيعة مع الحلفاء، ولا الانفصال عن النظام الدولي، بل تقليص قابلية التعرّض لضغوط غير متكافئة. الاستقلالية هنا ليست استقلالًا، بل قدرة على الصمود الجماعي.

ومع انتقال السياسة الدولية من منطق الاستقرار إلى منطق الاختبار الدائم، لن يُقاس النفوذ الأوروبي بمدى اتساق خطابه القيمي، بل بمدى مصداقية ردّه الجماعي عندما تُختبر تلك القيم في أوكرانيا، وفي علاقته مع الصين، وفي توازنه الدقيق داخل الفضاء عبر

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

ما الجديد في الموقع
إشترك لمتابعة آخر المستجدات والمحتوى الجديد
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

22 + = 27