هل ماتت “صفقة القرن” أم لمّا تزل حية ترزق؟

جوزيف مسعد

Ξ بقلم  جوزيف مسعد

منذ انتخاب جوزيف بايدن رئيساً للولايات المتحدة، تنفست السلطة الفلسطينية الصعداء، حيث سيعود بإمكانها أخيراً استئناف علاقاتها الغرامية بإسرائيل وبحلفاء إسرائيل العرب. وبناء على نتيجة الانتخابات الأمريكية، صدحت بعض أبواق السلطة الفلسطينية مؤخراً معلنة موت “صفقة القرن” وهي لمّا تزل حية ترزق وتنبض بالحياة!

كانت السلطة الفلسطينية قد علقت رسمياً تنسيقها الأمني مع إسرائيل منذ شهر أيار/ مايو الماضي، كما فترت منذ شهرين علاقاتها الرسمية مع مملكة البحرين ودولة الإمارات اللتين دشنتا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وأصبحتا أقرب الحلفاء والعشاق الجدد لإسرائيل في العالم العربي. وقد استخدمت السلطة الفلسطينية ذريعة إضرار “صفقة” دونالد ترامب بمصالح السلطة الفلسطينية (وهي بالتأكيد ليست مصالح الشعب الفلسطيني) لتعليق تعاونها الأمني مع إسرائيل وفتور علاقتها بالدول المطبعة حديثاً.

لقد وصل حماس السلطة الفلسطينية وابتهاجها بانتخاب بايدن إلى درجة أن السيد حسين الشيخ، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ووزير الشؤون المدنية، قد أعلن الأسبوع الماضي عن الاستئناف الرسمي للتنسيق الأمني، بعد إعلانه عن استلام السلطة الفلسطينية تأكيدات من إسرائيل بأنها ستمتثل لجميع الاتفاقات التي وقعتها مع السلطة الفلسطينية. جاء ذلك بعد يومين من إعلان إسرائيل عن طرح مناقصة على عطاء لبناء مستعمرة استيطانية يهودية جديدة تهدف إلى استكمال عزل القدس الشرقية الكلي جغرافياً عن الضفة الغربية.

وأضاف الشيخ، دون مفارقة، أن ما يعنيه هذا هو أن “صفقة القرن وخطط الضم لم تعد مطروحة على الطاولة”. وما لبثت السلطة أن أعلنت أيضاً عن عودة سفيريها إلى مزاولة أعمالهما في كل من البحرين والإمارات، بعد أن سحبتهما اعتراضاً على تطبيع البلدين مع إسرائيل.

في غضون ساعات من الاستئناف الرسمي للتنسيق الأمني مع إسرائيل، قام الجيش الإسرائيلي باختطاف 12 فلسطينياً من الضفة الغربية. وفي غضون ذلك، بدأت شركة الاتحاد للطيران المملوكة للحكومة الإماراتية الإعلان عن رحلاتها الجديدة إلى إسرائيل، مستخدمة صورة افتراضية للهيكل اليهودي، الذي يؤكد العديد من اليهود الإسرائيليين أن آثاره مدفونة تحت المسجد الأقصى، كأحد الأماكن التي يجدر بالمسافرين زيارتها (تم سحب الإعلان لاحقاً).

تأتي جميع مساعي السلطة الفلسطينية هذه لجذب الرئيس المنتخب المقبل بايدن إلى صفها، حيث تتوقع السلطة الفلسطينية أنه سيكون أقل عداء لها من ترامب. وتبذل السلطة الفلسطينية في سبيل ذلك كل ما في وسعها، ملتزمة بنصائح بعض شخصيات تابعة للحزب الديمقراطي الأمريكي التي تحثها على بذل المزيد من الجهد للتودد لبايدن.

في هذا السياق، وبدلاً من الإعلان عن أن السلطة الفلسطينية، التي أغلق ترامب مكاتبها في واشنطن العاصمة، تتطلع إلى ترحيب بايدن بإعادة فتح مكاتبها في العاصمة الأمريكية، أعلنت صحيفة نيويورك تايمز المناهضة للفلسطينيين بشدة أنه “في خطوة جريئة لتحسين صورتهم الملطخة في واشنطن، يضع الفلسطينيون الأساس لإصلاح واحدة من أكثر ممارساتهم العزيزة على قلوبهم والمثيرة للجدل، كما يقول المسؤولون: ألا وهي دفع تعويضات مالية لأولئك (الفلسطينيين) الذين يقضون أحكامهم في السجون الإسرائيلية، بما في ذلك المدانين بالقيام بأعمال عنف”.

تطالب إسرائيل السلطة الفلسطينية منذ عقود بوقف دعم عائلات الشهداء الفلسطينيين الذين قضوا وهم يقاومون (أو دون أن يقاوموا) إسرائيل، كما تشمل المطالب الإسرائيلية قطع الدعم الذي تدفعه السلطة لعائلات أسرى الحرب الفلسطينيين، الذين تحتجزهم إسرائيل في زنازينها. وقد أصدر الكونغرس الأمريكي “مراراً وتكراراً تشريعات لخفض المساعدات للفلسطينيين بمقدار هذه المدفوعات”، والتي ذكرها ترامب أيضاً عندما قطع التمويل عن السلطة الفلسطينية في عام 2018.

وقد أضافت صحيفة نيويورك تايمز: “لكن الآن، إذ يحرص المسؤولون الفلسطينيون على فتح صفحة جديدة.. فقد استجابوا لنصيحة أعضاء الحزب الديمقراطي المتعاطفين معهم الذين حذروهم مراراً وتكراراً من أنه بدون إنهاء المدفوعات، سيكون من المستحيل على الإدارة الجديدة القيام بالكثير من الجهد نيابة عنهم”.

وهذا مثال مهم على كيف أن بايدن لن يكون مختلفاً جداً عن سلفه ترامب، الذي في الواقع لم يكن بدوره مختلفا كثيراً عن أوباما أو عن الرؤساء السابقين بعدائه للفلسطينيين ودعمه لإسرائيل.

وكان بايدن قد تعهد بعدم إعادة السفارة الأمريكية إلى تل أبيب، وبعدم إلغاء اعتراف الولايات المتحدة بضم إسرائيل غير القانوني للمدينة، ناهيك عن ضم مرتفعات الجولان. ربما يكون الاختلاف الوحيد بينهما هو أن بايدن قد يستأنف المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية، بعد أن يخصم بالطبع المبلغ الذي تدفعه السلطة الفلسطينية لدعم عائلات الشهداء وأسرى الحرب الفلسطينيين. وهذا هو الأمر الذي “تجري (المداولات) الآن في رام الله” بشأنه لإنهاء هذا الدعم، وفقاً لنيويورك تايمز.

بايدن قد تعهد بعدم إعادة السفارة الأمريكية إلى تل أبيب، وبعدم إلغاء اعتراف الولايات المتحدة بضم إسرائيل غير القانوني للمدينة، ناهيك عن ضم مرتفعات الجولان. ربما يكون الاختلاف الوحيد بينهما هو أن بايدن قد يستأنف المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية

ولكن بما أن صفقة القرن مبنية على فرضية أنه ينبغي على الولايات المتحدة والفلسطينيين أن يقدموا لإسرائيل كل ما تطلبه، ومن ثم يمكن للمفاوضات أن تستأنف، فلا يزال من غير الواضح لماذا استنتجت السلطة الفلسطينية أن صفقة القرن لم تعد مطروحة على الطاولة. ففي آخر المطاف، تصرفت السلطة الفلسطينية نفسها وفقاً لتلك الفرضية عندما استأنفت التنسيق الأمني مع إسرائيل بعد إعلان الأخيرة عن بناء مستعمرة استيطانية يهودية جديدة، وأعادت سفراءها إلى دول الخليج بينما تقوم الأخيرة بتعزيز صداقتها مع إسرائيل، والآن تنهي دعمها لعائلات أسرى الحرب قبل الحصول على أي مقابل وقبل استئناف “المفاوضات”. وقد رحب وزير الخارجية الإسرائيلي بهذه الخطوات لأنها قد اتخذت دون “شروط مسبقة”.

إن الدعم المالي لعائلات أسرى الحرب الذي يقض مضاحع المسؤولين الإسرائيليين، والكونغرس، وترامب، وبايدن، ونيويورك تايمز.. هو في الواقع انعكاس للسمة المركزية لفرضيات “عملية السلام” الأمريكية، التي بدأت في أوائل السبعينيات وبلغت ذروتها في خطة ترامب، والتي كانت مبنية دائما على إجبار الفلسطينيين وغيرهم من العرب على الانضمام إلى الولايات المتحدة في إضفاء الشرعية على الغزو الاستعماري الإسرائيلي للأراضي العربية ونزع الشرعية عن أي مقاومة له.

وحتى عام 1993، رفضت الولايات المتحدة إقامة أية علاقات دبلوماسية مع منظمة التحرير الفلسطينية ما لم تتخلَ الأخيرة علناً عن مقاومة الاستعمار الإسرائيلي (وهو ما أعلنه عرفات عام 1988 في جنيف، انصياعاً لأوامر الأمريكيين، عندما وصف المقاومة الفلسطينية بأنها كانت “إرهابا”، ما أدى لفتح مؤقت للعلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة سرعان ما انتهى)، وهو ما وافقت عليه منظمة التحرير الفلسطينية في أوسلو.

الفكرة الأساسية هنا هي أنه منذ عام 1993، كانت السلطة الفلسطينية قد التزمت بالقضاء على كل مقاومة فلسطينية للاستعمار الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وتعاونت مع إسرائيل للقضاء على هذه المقاومة، إما عن طريق الإبلاغ عن المقاومين و/ أو تسليمهم لإسرائيل لسجنهم و/ أو قتلهم، أو قامت أجهزة أمنها بسجنهم و/أو قتلهم. لذلك تشتكي إسرائيل والولايات المتحدة اليوم (بحق) من نفاق السلطة الفلسطينية في دعمها لعائلات المقاومين الذين قد سبق لها أن وافقت على قمعهم وإنهاء مقاومتهم.

تشتكي إسرائيل والولايات المتحدة اليوم (بحق) من نفاق السلطة الفلسطينية في دعمها لعائلات المقاومين الذين قد سبق لها أن وافقت على قمعهم وإنهاء مقاومتهم

تجدر مقارنة ذلك مع حقيقة أن إسرائيل والولايات المتحدة قد قامتا دائماً بمكافأة اليهود الإسرائيليين الذين ارتكبوا مذابح بحق الفلسطينيين، وإضفاء صفة “البطولة والشجاعة” على هؤلاء السفاحين. وفي الواقع الأمر، لقد تمت على مر السنين محاكمة عدد ضئيل من الجنود الإسرائيليين الذين قتلوا فلسطينيين، وأدين عدد أقل من أولئك الذين تمت محاكمتهم، كما وثّقت مجموعات حقوق الإنسان الإسرائيلية وغيرها من المنظمات.

ومن الأمثلة على نوعية الأحكام الإسرائيلية على القتلة الإسرائيليين، في عام 2015، قتل الضابط الإسرائيلي يسرائيل شومر صبياً فلسطينياً يبلغ من العمر 17 عاماً كان يفر من مكان الحادث بعد أن ألقى بحجر على مركبة عسكرية تابعة للاحتلال الإسرائيلي. وقد أطلق شومر النار عليه ثلاث مرات، مرتين في ظهره ومرة في وجهه. قام الجيش الإسرائيلي بإغلاق التحقيق الذي خلص إلى أن إطلاق النار كان “مبرراً”، ووصف الجريمة بأنها “خطأ مهني” بناءً على إطلاق نار “غير دقيق”. وقد تمت ترقية شومر بعد أربعة أشهر لقيادة لواء ناحال في الجيش.

وفي عام 2019، تم تخفيض رتبة جندي إسرائيلي آخر، كان قد أطلق النار على الفلسطيني الأعزل رامي حلس، البالغ من العمر 14 عاماً، وأرداه قتيلاً. وقد حُكم على الجندي بالسجن مدة شهر يمضيها خارج السجن في الأعمال العسكرية.

كان حلس واحداً من 46 طفلا فلسطينيا قتلوا برصاص جنود إسرائيليين على الحدود مع غزة. وقد صرح والده لصحيفة نيويورك تايمز: “هذا غير عادل”، وعبّر عن خشيته من أن عقوبة الجندي “ستشجع زملاءه على القتل بدم بارد” بدلاً من أن تكون “رادعاً”. وكانت قضية حلس هي القضية الوحيدة التي حوكم فيها جندي من قتلة هؤلاء الأطفال.

في نفس العام، برأ الجيش الإسرائيلي جنوده من قتل فلسطيني مبتور الساقين كان يحتج على الحدود مع غزة، وقد أصيب برصاص في صدره. وقال الجيش إنه لم يستطع التأكد من أن جنوده هم من قتلوه. وقد حُكم في عام 2018 بالسجن تسعة أشهر على شرطي آخر من حرس الحدود الإسرائيلي لقتله طفلاً فلسطينياً آخر في عام 2014، وأشاد القاضي بالجندي ووصفه بأنه جندي “ممتاز” و”لديه ضمير”. أما المسعف العسكري الإسرائيلي الذي قتل بالرصاص فلسطينياً مصاباً بالرصاص، بعد أن كان ملقى على الأرض في عام 2016، فقد حكم عليه بالسجن 18 شهراً، وسنة تحت المراقبة، وخفضت رتبته. وقد تم تخفيض عقوبته إلى 14 شهراً، قضى منها تسعة أشهر فقط في السجن.

هذه ليست ممارسات شاذة ولا جديدة، بل يعود تاريخها إلى قيام دولة إسرائيل. لم تزل إسرائيل والولايات المتحدة تمجدان رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحاق رابين، الذي قام بنفسه بطرد وتهجير السكان الفلسطينيين من مدينة اللد في عام 1948 (وهي جريمة حرب في عرف القانون الدولي)، والذي ابتكر سياسة “كسر عظام” الفلسطينيين خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى. ولم يدخل “بطل السلام” هذا السجن قط بسبب جرائمه. كما لم يدخله رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، الذي كان ارتدى ملابس نسائية متخفياً عندما ترأس وحدة الكوماندوز التي اغتالت عدة قادة فلسطينيين (وأفراد من عائلاتهم) في منازلهم في بيروت عام 1973. ويتم الاحتفاء بباراك، شأنه شأن المجرم رابين، كبطل.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1956، قام جنود الاحتلال بإطلاق الرصاص وقتلوا 49 مواطناً فلسطينياً- إسرائيلياً عزّل (رجال ونساء وأطفال) من قرية كفر قاسم وجرحوا العشرات. وقد حكم على ثمانية ضباط منهم في تشرين الأول/ أكتوبر 1958 بالسجن لمدد مختلفة. وقد تم تخفيف جميع الأحكام عند الاستئناف، وتم الإفراج عن جميع القتلة المدانين في عام 1960، بعد أن أمضوا مدة عقوبتهم القصيرة في مصحة في القدس. وقد تم تعيين الضابط جبرائيل دهان، المدان بقتل 43 فلسطينيا، بعد ذلك ضابطا مسؤولا عن “شؤون العرب” في مدينة الرملة. أما العميد يشيشكار شادمي، وكان المسؤول الأكبر عن إصدار الأوامر بارتكاب المذبحة، فقد أدين بارتكاب “خطأ فني” وتم تغريمه قرشاً واحداً.

بما أن السلطة الفلسطينية قد فعلت ما استوجب فعله بحق إسرائيل والولايات المتحدة، عندما وافقت في أوسلو على قمع أي مقاومة فلسطينية لهذه الأعمال “البطولية” الإسرائيلية، فعليها إذاً أن تستمر في ذلك من خلال عدم دعم عائلات الأسرى أو الشهداء الفلسطينيين

إن ما يطالب بايدن وأصدقاؤه السلطة الفلسطينية به اليوم هو بالضبط ما طالبت به إسرائيل وترامب أيضاً، أي اعتبار الاحتلال الإسرائيلي واستعماره واحتلاله لأرض الفلسطينيين، بما في ذلك قتل الفلسطينيين الذين يقاومون (أو لا يقاومون) إسرائيل، أعمالاً بطولية. وبما أن السلطة الفلسطينية قد فعلت ما استوجب فعله بحق إسرائيل والولايات المتحدة، عندما وافقت في أوسلو على قمع أي مقاومة فلسطينية لهذه الأعمال “البطولية” الإسرائيلية، فعليها إذاً أن تستمر في ذلك من خلال عدم دعم عائلات الأسرى أو الشهداء الفلسطينيين.

لم يكن الهدف من إقامة السلطة الفلسطينية على النحو المتوخى في اتفاقيات أوسلو هو القضاء على أية مقاومة فلسطينية متبقية لإسرائيل فحسب، بل أيضاً، والأشد أهمية، القضاء على إرادة الشعب الفلسطيني في مقاومة مستعمره إلى الأبد. فقد كان هذا هو جوهر “عملية السلام” الأمريكية منذ السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وجوهر اتفاقية أوسلو، كما كان جوهر عرض بيل كلينتون في كامب ديفيد عام 2000، وجوهر صفقة القرن التي وضعها ترامب. وليست هذه العروض سوى الصفقة بعينها ورأسها وتعتمد على ذات الفرضيات، وهو ما حاول ترامب ببسالة إقناع العالم به لكن دون جدوى.

ولكن، رغم ذلك، فإنه من المؤكد أن بايدن الذي طال انتظاره في رام الله سيغمر السلطة الفلسطينية بعطفه، وسيتظاهر علانية إلى جانب تظاهر السلطة العلني بأن الفلسطينيين سيحصلون بالتأكيد على صفقة جديدة أفضل في المرة القادمة.

المصدر : عربي 21

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

+ 49 = 56