حراس الكنوز: كيف تُصنع خرافة تُنهك الفقراء وتُربح المحتالين؟

في القرى والهوامش كما في أطراف المدن، تتكرر الحكاية نفسها: علامة على صخرة، بئر مهجور، “عارف” يقرأ الطلاسم، ثم وعد بكنز “محروس بالجن”. يدفع الناس المال، يُحفر ليلًا، تتصاعد المخاوف، وفي النهاية لا شيء سوى خسارةٍ وتبريرٍ جاهز: “الحارس لم يُفك”.

فهل نحن أمام ظاهرة واقعية، أم أمام خرافة مُربحة للبعض ومكلفة للمجتمع؟

أولًا: ما الذي يقوله التاريخ فعلًا؟

عرف المغرب، عبر قرونه الطويلة، فترات اضطراب وحروب دفعت بعض الناس إلى دفن مدخراتهم خوفًا من السلب. في عصور دول مثل دولة إدريس الأول ومن تلاها، عُثر أحيانًا على مدافن عملات صغيرة في سياقات أثرية موثقة.

لكن هذه الاكتشافات:

كانت محدودة الحجم،

ومرتبطة بزمن ومكان واضحين،

واكتُشفت عبر عملٍ علمي أو صدفةٍ موثقة.

أما صورة “الصندوق الضخم المحروس” فهي سردية شعبية أكثر منها حقيقة تاريخية.

ثانيًا: الفرق بين علم الآثار وصيد الكنوز

علم الآثار علمٌ قائم على منهج:

توثيق الطبقات الأرضية، دراسة الفخار والعظام والمعادن، تحليل المخلفات، ثم نشر النتائج في تقارير معتمدة. الهدف ليس الذهب، بل فهم حياة الناس في الماضي.

في المقابل، صائد الكنوز ينطلق غالبًا من إشاعة أو “علامة” يفسرها وحده، ويعمل في الخفاء، من دون ترخيص أو توثيق، ما يؤدي إلى تخريب مواقع تاريخية، فقدان معلومات لا تُعوَّض، وملاحقات قانونية، لأن التنقيب غير المرخّص جريمة في معظم القوانين.

ثالثًا: “حارس الجن”… كيف تُصنع الفكرة؟

الإيمان بالجن كغيب ديني أمرٌ منفصل عن تحويله إلى “حارس خزنة”. لا توجد نصوص دينية صحيحة تقول إن الجن يحرسون كنوز البشر.

سردية “الحارس” تُستعمل عادةً في ثلاث لحظات:

قبل الحفر: لإضفاء رهبةٍ تبرر الحاجة إلى “وسيط”.

أثناء الحفر: لتفسير أصوات الليل والظلال بوصفها حضورًا غيبيًا.

بعد الفشل: لتبرير عدم وجود شيء: “الطقس ناقص” أو “العهد قديم”.

من منظور علم النفس، يلعب الإيحاء والخوف والإرهاق دورًا في تضخيم الإحساس بالمجهول، خصوصًا في أماكن مهجورة ومظلمة.

رابعًا: لماذا لا تنتشر هذه الرواية في الغرب بالطريقة نفسها؟

الخرافات موجودة في كل الثقافات، لكن شكلها يختلف.

في دولٍ غربية كثيرة:

التنقيب غير المرخص يُلاحق بشدة،

المواقع الأثرية محمية،

والظواهر الغامضة تُفسَّر غالبًا تفسيرات طبيعية أو نفسية قبل أي شيء آخر.

كما أن سوق “الوسيط الروحاني للحفر” ضعيف قانونيًا ومجتمعيًا، ما يقلّل من اقتصاد الخرافة.

الأمر لا يتعلق بتفوقٍ ثقافي، بل ببيئة قانونية وعلمية تُضيّق مساحة الاستغلال.

خامسًا: من يدفع الثمن؟

النتيجة في أغلب القصص المتداولة:

خسارة مالية تدفعها عائلات بسيطة،

تفكك اجتماعي بسبب النزاعات حول “الوعد الكبير”،

خطر جسدي نتيجة الحفر العشوائي،

وتخريب تراث هو ملكٌ للجميع.

خلاصة

  1. الكنوز الأسطورية “المحروسة” لا تجد سندًا علميًا ولا توثيقًا أثريًا.

ما يوجد هو:

تاريخ يحتاج إلى دراسة منهجية،

ومواقع تستحق الحماية،

ومجتمع يحتاج إلى فرصٍ حقيقية لا إلى وعود ليلية.

بين الإيمان بالغيب كجزءٍ من العقيدة، وبين تحويله إلى أداة ابتزازٍ وربحٍ سريع، مسافةٌ يجب أن تُحسم لصالح العقل والقانون.

حماية التراث تبدأ من رفض الحفر العشوائي، وحماية الناس تبدأ من فضح الخرافة.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

ما الجديد في الموقع
إشترك لمتابعة آخر المستجدات والمحتوى الجديد
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

− 6 = 4