مقاه بلا مطوعين ونساء بلا حجاب.. انقلاب اجتماعي يقود خطة بن سلمان لاقتصاد سياحي

Ξ همس نيوز عن الخليج العربي

ليس من المبالغة القول إن الانقلاب الاجتماعي الأخير في البلاد كان عميقا وسريعا”.. هكذا وصف مراسل شبكة CNN “نيك روبرتسون” مشاهداته في زيارته الأخيرة للسعودية خلال يومي استضافتها لإدارة قمة مجموعة العشرين (21-22 نوفمبر/تشرين الثاني)، التي عقدت عبر تقنية الفيديو.

عقد “روبرتسون” مقارنة بين ما شاهده خلال اليومين وبين ما دونه عام 2018، عندما كان في وسط العاصمة السعودية الرياض، متحدثا مع الناس في مقهى شبه فارغ في وقت مبكر من المساء.

حينها وصلت سيارة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانت بمثابة “شرطة دينية” ذات هيبة كبيرة، لتتوقف على جانب الطريق وتبدأ في إصدار أوامرها للناس كي يذهبوا إلى الصلاة.

المشهد ذاته تكرر أمام عين “روبرتسون” خلال يومي قمة العشرين، لكن رد فعل السعوديين إزاءه اختلف بشكل جذري.

فبينما كان رد الفعل الفوري إزاء حضور “مطوعي” هيئة الأمر بالمعروف هو الاستجابة السريعة لأوامرهم في 2018، لم يستجب لهم أحد تقريبا في 2020.. باختصار لم يعودوا “مطوعين”.

أدرك “روبرتسون” حينها ما كان يشعر به السعوديون في الأشهر التي أعقبت قيام ولي عهد المملكة “محمد بن سلمان” بتجريد حراس الأخلاق من نفوذهم، إذ تحولت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أعمال مكتبية ولم يعد لها سلطتها القديمة.

“لقد كان إحساسًا بالخفة وحرية الاختيار.. تلاشت عقود من الضغط النفسي القمعي”.. هكذا وصف مراسل CNN ما رآه في المقاهي، التي جلس فيها النساء والرجال معا، وهو ما لم يكن متاحا من قبل.

“منيرة القويط” مصممة أزياء تبلغ من العمر 20 عامًا، ترتدي عباءة سوداء تقليدية، أخبرت “روبرتسون” ماذا يعني هذا بالنسبة لها، وعيناها تتألقان فوق نقاب يغطي الوجه: “لدينا المزيد من المرح الآن.. الخروج لمشاهدة الأفلام، الخروج للمطاعم ومقابلة الأصدقاء”.

وبجوار “منيرة” كانت “توتو” التي كانت ترتدي ملابس عصرية دون حجاب (وهو ما كان كفيلا بالقبض عليها من قبل مطوعي الأمر بالمعروف قبل بضع سنوات)، وهي معلمة روضة أطفال تبلغ من العمر 42 عامًا.

أخبرت “توتو” مراسل CNN بأنها تحب الشعور “بالحرية” و “المزيد من الحيوية”، قائلة: “الآن تغيرت حياتنا كسعوديين بالكامل (..) في الواقع كل السعوديين الآن سعداء بفضل القرارات التي اتخذها محمد بن سلمان”.

ينعكس هذا الواقع حاليا في أماكن العمل بالسعودية، إذ تعمل النساء في المكاتب جنباً إلى جنب مع الرجال، وهو ما كان غير قانوني حتى سنوات قليلة مضت.

المدينة الرقمية

“تاليا” البالغة من العمر 27 سنة، نشأت في الرياض وتخرجت من جامعات في كل من لندن وبيروت قبل أن تعود إلى السعودية عام 2017 عندما بدأت إصلاحات “بن سلمان”، ومنذ ذلك الحين عملت كمديرة تنفيذية ولا ترى أي حدود لما يمكن أن تحققه المرأة.

وتعمل الشابة السعودية في المدينة الرقمية الجديدة بالرياض، وهي مجمع من المباني المتشابكة تتخللها نوافير مياه متتالية ومساحات مشاة مفتوحة، في مشهد شبهه “روبرتسون” بأنه أقرب إلى “دبي” منه إلى الرياض.

تقول “تاليا”: “لدينا ولي عهد شاب والدولة شابة، ومثل 70% من السكان تقل أعمارهم عن 30 عامًا، لذلك شعرت بأن الإصلاحات تم إجراؤها من جانبنا، ولا مجال للعودة إلى الخلف”.

ويرى “روبرتسون” أن أحد الأسباب الرئيسية للانقلاب الاجتماعي الذي سجله اختلاف مشهدي 2018 و2020 في السعودية هو قرار “بن سلمان” بتحدي رجال الدين الذين أنتجوا أمثال “أسامة بن لادن وتقريبًا جميع خاطفين الطائرات في هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001″؛ حسب تعبيره.

استغرق الأمر من ولي العهد أقل من 5 سنوات لتغيير الأوضاع في المملكة بطريقة لم يجرؤ أسلافه على القيام بها، بما في ذلك اعتقال أكثر من 200 أمير ووزير ورجل أعمال اتهمهم بالفساد.

وتتطلب رؤية “بن سلمان” لتغيير السعودية بحلول عام 2030 اقتصادًا متنوعًا وتمكينًا للشباب، في إطار خطة تعتمد بشكل كبير على النشاط السياحي، وهو ما يراه عديد المراقبين –بينهم “روبرتسون”– منطلق الانقلاب الاجتماعي الجاري في المملكة.

فالسعودية تملك العديد من مناطق الجذب السياحي مثل قمم جبال عسير، التي تمنح في الشتاء إحساسًا لزائريها بأنهم أمام جبال الألب، ومدائن صالح أو “الحجر” في منطقة الحجاز الغربية، التي تنافس موقع البتراء في مملكة الأردن، إضافة إلى الشعاب المرجانية النقيبة في البحر الأحمر قبالة الساحل الغربي للمملكة.

لكن البتراء تجتذب آلاف السياح سنويًا، بينما لا تزال الحجر غير مزدحمة.. والسبب في ذلك يعود إلى عامل الوقت، وفق عديد الشباب السعوديين، الذين نقل عنهم “روبرتسون” أنه “إذا استمرت وعود محمد بن سلمان لفترة أطول (..) فسيجد العالم الكثير مما يستحق الاكتشاف”.

غير أن وجه الانفتاح الاجتماعي في عهد “بن سلمان” ليس مؤشرا على “الحرية” بمعناها الشامل، بل بمعنى اجتماعي محدود تسيطر عليه خطوط حمراء غير المعلنة بمعظم دول الخليج، مفادها: “استمتع.. لكن لا تسبق القيادة”.

هذه المفارقة يشير إليها “روبرتسون” متحدثا عن سجن ناشطي حقوق الإنسان في السعودية، وقتل معارضين بمن فيهم الصحفي “جمال خاشقجي”، لكنه يؤكد في المقابل أن الشباب يدعمون “بن سلمان”.

“محمد العجوي” واحد من هؤلاء، وهو محاسب يبلغ من العمر 26 عامًا، علق على مقتل “خاشقجي” بالقول: “إنه (موضوع) مهم تمت مناقشته في جميع أنحاء العالم (..) سبق للحكومة أن قالت ما لديها وكانت إجابة واضحة لنا نحن شعب المملكة العربية السعودية. كان خطأ قلة من الناس. هذا كل شيء”.

هكذا تبدو نسبة معتبرة من فئة الشباب التي تمثل أكثر من ثلثي الشعب السعودي داعمة لولي العهد رغم قسوة حكمه، حسب مشاهدات “روبرتسون”.

المصدر : الخليج الجديد + متابعات

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

14 + = 18