آخر الأحداث

هل أصبح بلد المغرب كازينو..!؟ من دفع العرش والشارع للمواجهة؟

اسم الكاتب

عبد الرحيم شيحي

عندما حذر الإعلامي الكبير، توفيق بوعشرين، الذي يقبع في السجن بسبب آراءه الحرة، من قطع شعر معاوية بين الحكم والرأي العام، وتعريض العرش للاحتكاك المباشرة مع الشارع وغضبه وإحتجاجه وردود فعله.. لم يستمع إليه أي مسؤول، بل جهزوا له في الخفاء تهمة الإتجار في البشر، وهي تهمة أول مرة يسمع بها الشعب المغربي، ولم يكن يعرف أنها موجودة في القانون، خلقها المشرعون خصيصا لأمثال توفيق بوعشرين!

وأضح أن مؤشر سخط بعض الفئات الشعبية في المجتمع المغربي على الوضع، في إتجاه تصاعدي. وأصبحنا نرى كل يوم أصابع الإتهام تشير مباشرة إلى العاهل المغربي، مع تراجع واضح لنسبة الإحترام لشخصية الملك، على سبيل المثال لا الحصر “باركا رنا عقنا بيك يا ملك الفقراء.. الملك هو المسؤول واش مراهش عارف آش واقع.. فينك آ لمليك..”، والكثير من الإنتقادات بالصوت والصورة موجهة للملك محمد السادس.

وإزداد الوضع سوء بعد سلسلة من الإعتقالات نفذتها الأجهزة المخزنية ضد من ينتقد الملك وكبار المسؤولين، أو يسلط الضوء على الفساد الذي ينخر في ثروات المغرب، والذي ساهم في رفع غنى الأغنياء بطرق غير مشروعة، وأفقر الفقراء وزادهم تهميشا وإحتقارا، وتجهيلا، وإهمالا.. وفق ما يقوله بعض المراقبين إستنادا إلى لغة الأرقام.

فيما يلي نقدم لكم مقال الأستاذ توفيق بوعشرين، تحت عنوان “البلد ليس كازينو”، ونشر على “أخبار اليوم” و”اليوم 24» يوم 13/07/2017:

لائحة المخاطر التي تحيط بالمملكة المغربية كثيرة، لكن الخطر الأكبر ليس مصدره الجزائر التي تغدي الانفصال في الصحراء، ولا معدلات البطالة المرتفعة في بلاد ثلثا سكانها شباب، ولا التغير المناخي وموجات الجفاف التي تهدد اقتصادا شبه فلاحي، ولا حتى الفساد الذي يأكل من لحم البلد منذ عقود، ولا ندرة الإمكانات التي لا تتيح للدولة سد الحاجيات، ولا في الهوة التي تكبر بين الأغنياء والفقراء… كل هذه أخطار موجودة، لكن الخطر الكبير الذي يحوم حول البلد هو تجريف الحقل السياسي، وتمييع الأحزاب، وضرب التعددية السياسية، وقطع شعر معاوية بين الحكم والرأي العام، وتعريض العرش للاحتكاك المباشرة مع الشارع وغضبه واحتجاجه وردود فعله…

ما نشهده اليوم في الريف هو مجرد (بروفا) صغيرة لمشهد قادم، حيث تبحث الدولة عن حزب أو نقابة أو منتخب أو مؤسسة أو جمعية للوساطة مع السكان وتهدئة خواطرهم والتحاور معهم فلا تجد، فتضطر لاستعمال العصا والقانون الجنائي فتصب الزيت على النار، وتصبح المقاربة الأمنية هي المقاربة الوحيدة الموضوعة على الطاولة والنتيجة أمامكم: اعتقالات بالجملة، وأحكام قاسية، وتهم ثقيلة تلاحق السلطة بتورطها في تعذيب المعتقلين، وفي انتهاك حرمة ناصر الزفزافي بتصويره شبه عار وتوزيع الفيديو على المواقع الإلكترونية…

كل هذه الأخطاء التي تراكمت خلال الأشهر الثمانية الماضية سببها الأول هو ضرب جوهر السياسة، وضرب الأحزاب القوية، وإضعاف الحكومة، وإعطاء وزارة الداخلية مهام ليست من اختصاصاتها، وتوريط القضاء في أزمات لا ينفع معها القانون الجنائي ببساطة أننا ندبر أخطر أزمة خارج المؤسسات، مثل طبيب يعالج مريضا خارج العيادة وخارج قواعد الطب الحديث…

قبل أيام صرح حميد شباط الأمين العام لحزب الاستقلال في فاس بما نصه (لقد تعرضنا في حزب الاستقلال للتغرير من أجل الخروج من حكومة عبد الإله بنكيران سنة 2013، وأنا مستعد للإدلاء بما لدي من معلومات وتحمل المسؤولية إذا فتح تحقيق في الموضوع). هذا كلام خطير جدا، وإذا كنا نعرف حقيقته بالتحليل وبقراءة تسلسل الأحداث، فإننا الآن أمام اعتراف صريح من قبل المعني بالأمر، يقر بأن هناك جهة غررت به، ودفعته للخروج من الحكومة ضدا على إرادته وقناعته ومصلحته، وهذا الاعتراف وإن كان لا يعفي شباط من المسؤولية، فإنه يلقي الضوء على ما نتحدث عنه من انتهاك لاستقلالية الأحزاب، والتلاعب بقراراتها، وتهديد استقرار الممارسة الديمقراطية، ومجمل الإصلاحات التي جاء بها دستور 2011… الذي غرر بحزب الاستقلال وزين له الخروج من الحكومة بدون مبررات منطقية، كان يستهدف بنكيران وحكومته، وكان يستهدف تجربة الإصلاح الديمقراطي والقوس الذي فتح قبل ست سنوات، وها نحن الآن أمام نتائج هذا اللعب غير النظيف في الحياة السياسية، حزب العدالة والتنمية منقسم الآن، فلا هو في الحكومة ولا هو في المعارضة، يضع رجلا هنا ورجلا هناك، وقادته يشعرون بأن إزاحة بنكيران عن قيادة الحكومة هدفها ليس فقط رأس الزعيم ولكن رأس الحزب كله وهم يحاولون الآن إنقاذ ما يمكن إنقاذه، حزب الاستقلال أب الأحزاب المغربية منقسم اليوم إلى شعوب وقبائل ويتعرض ما بقي منه لقصف شديد سيأتي على البقية الباقية فيه، أوضاع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لا تسر صديقا ولا تغيض عدوا، لقد حول إدريس لشكر الاتحاد الاشتراكي إلى مجرد أداة لإذلال بنكيران، وإفساد المنهجية الديمقراطية لتشكيل الحكومات، حزب التجمع الوطني للأحرار تحول من حزب إلى شركة مجهولة الاسم، ولم يعد يلعب أي دور في الحقل السياسي سوى تهديد حزب إلياس العماري بأخذ مكانه في رحاب دار المخزن الحزبي بعد أن باع الوهم للدولة…

الديمقراطية بالتعريف هي دولة الأحزاب، والتعددية هي جوهر المشاركة في الحكم، والسياسة هي النقيض لحكم الفرد أو القلة، لكن عندما تهمش السلطة الأحزاب وتحتكر القرار وتتدخل في كل كبيرة وصغيرة، وتحتقر نخب المجتمع وكل هذا في بلد فقير وبدون مشروع تنمية حقيقية بلد يدير جل الأزمات ولا يحلها يدبر الندرة ولا يوزع الوفرة، فمعنى هذا أننا إزاء مغامرة كبيرة بمستقبل 35 مليون إنسان يعيشون داخل البيت المغربي، وليس في كازينو مفتوح لمغامرات ورهانات غير محسوبة العواقب.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

37 − 31 =