هل يُصلِح “غيث” ما أفسده ابن زايد؟

  بقلم عدنان حميدان

هل يُصلِح غيث ما أفسده ابن زايد؟ سؤال ملح فرضته حلقات برنامج “قلبي اطمأن” الخيري الذي يمتاز بشخصية مقدمه “غيث” المجهولة، حيث يُخفي وجهه ولا يظهر على الشاشة؛ وذلك للتركيز على المضمون الذي يقدمه البرنامج وليس الشخص الذي يؤدي المهمة (ظاهرياً).

وقد حظي بمشاهدات هي الأعلى عربيا لبرنامج من هذا النوع خلال شهر رمضان، مع توجه لعولمته بدبلجته صوتيا لعشرات اللغات المختلفة.

ويعمل “قلبي اطمأن” بميزانية إنتاج هائلة (مقارنة ببرامج مماثلة)، من حيث التصوير السينمائي وقيمة المنح والتبرعات ونوعية البحث والإعداد، ناهيك عن الموسيقى التصويرية والجرافيك، وباقي التفاصيل الفنية التي تم إنجازها بحرفية عالية؛ زادت من حالة الحضور والإبهار.

فهل التكلفة الحقيقية لهذا البرنامج تتلاءم وحجم الوارد له من قبل المتبرِّعين؟! وهل ما يقوم به غيث يمكن اعتباره إصلاحا أو تبييضا نقيا لصورة ابن زايد؟ التفاصيل التي أوردها هنا كفيلة بتوضيح الصورة، ولكن أحتاج بداية أن أقرأ معكم بشكل موضوعي إيجابيات وسلبيات ما يقوم به غيث في برنامجه، وأترك الحكم لكم في النهاية:

‎البرنامج مُصنَّف على أنّه خيري وعُرِضَ لأول مرة في أيار/ مايو 2018م على قنوات نور دبي وMBC1 وأبو ظبي.. الأولى مملوكة لحكومة دبي، والثانية مقرها في دبي، والأخيرة مملوكة لحكومة أبو ظبي..‎ مع حضور هو الأهم عبر قناة يوتيوب الخاصة بالبرنامج والتي يتابعها نحو ثلاثة ملايين ونصف مليون مشترك. وحرص القائمون عليه على إلغاء خاصية الإعلان التجاري عبر بث قناة يوتيوب، مع أنه يمكن للمشاهد تقبل ذلك باعتبار العائد لجمعية خيرية، مثلما يؤكد مقدم البرنامج كل مرة.

وقد نجح البرنامج بتشجيع آخرين على تقليده، فظهرت فرق تطوعية بعدة دول تحاكي فكرته، كما أسهم بإظهار المعدن الطيب والخلق النبيل للمحرومين في مجتمعاتنا، فهم أصحاب مروءة وشهامة ورغبة حقيقية بمساعدة الآخرين رغم فاقتهم؛ مصداقا لقوله تعالى “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة”، ومنهم فقير معدم يمسح الأحذية في أربيل شمال العراق مقابل أجر زهيد، وأمنيته الوحيدة في الحياة أن يكون بوضع يمكنه من عدم رد أي محتاج بصدق يطرق بابه، وأخرى تقدم له الدينار الوحيد الذي معها بعد اختباره لها في بداية الحلقة بادعاء أنه محتاج (كما يفعل مع معظم الحالات). وجميعهم بلا استثناء كانت ردودهم في منتهى الرقي والكرم.

تعرض غيث وبرنامجه لانتقادات شديدة في هذا الموسم، لإظهار الحالات بأسمائها الثلاثية وصور مفصلة عن حياتها ومشاكلها، بما فيها إدمان المخدرات؛ الأمر الذي رأى فيه المنتقدون انتهاكا لكرامة المعوزين، فكان رد القائمين على البرنامج أنهم أخذوا موافقات موقعة من أصحاب الحالات، وأنهم استمروا بمساعدة من رفض التصوير. ولكن كان واضحا من حيثيات ما يجري بالحلقات أن الحالات التي تم تصويرها أخذت في كثير من الأوقات أكثر من الذي كان مخصصا لها، وهي التي ستحظى بالزيارة والتشجيع والهدية والمتابعة في المواسم اللاحقة، كما جرى مع حالات تمت زيارتها في الموسم الحالي من تلك التي تم تصويرها في الموسم السابق، بينما قد لا يحظى من لم يقبل التصوير بذلك.

قد يسهم برنامج من هذا النوع بزيادة الاتكالية لدى كثير من المحتاجين القادرين على تحسين أوضاعهم، بجلوسهم في بيوتهم منتظرين قدوم الغيث، كما عبر مقدم البرنامج نفسه عن ذلك حين قال لأحدهم: نفس ما تمنيت في يوم من الأيام أن غيث يكون عندك ها هو عندك الآن.

كان ملاحظا في هذا الموسم اعتماد لازمة في نص كل حلقة يقول فيها المذيع: مرة واحد قال لي، وإن أراد التغيير يقول: مرة واحد صاحبي قال لي! لا يكاد يخرج عن هاتين الجملتين ثم يتبعهما بحكمة؛ وقد تتبعت تلك الحكم الجميلة أحيانا والركيكة في أحيان أخرى على مدى 30 حلقة في البرنامج الخيري، الذي يتعمد استدرار عاطفة الخير لدى المشاهدين في شهر رمضان المبارك، شهر الجود والإحسان، فما وجدته ولو في حلقة واحدة يستشهد بآية أو حديث أو حتى مقولة لصحابي أو تابعي، رغم كثرة وروعة النصوص الدالة على الخير في ديننا، لكن غيث وصاحبه لا يعرفان عبارات في الخير سوى: الباحث عن العطاء هو نفسه الباحث عن السعادة، وحلاوة العطاء أجمل من حلاوة الأخذ، وكلما ضاقت بك الدنيا ساعد أحدا لا تعرفه، أو مثلا أن يقول له: الأمور مهما كانت ضخمة لو جزأناها يمكن أن تكون أسهل. ولا ضير فالحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها، ولكن أن تكون حكمة لشهر كامل خالية من آية أو حديث، فهذا معيب ولا يليق برأيي.

لأخطر من ذلك كان في الترجمة الخالية تماما من الدين، فكل ثناء على الله تبارك وتعالى في البرنامج يحوله المترجم بالإنجليزية إلى “god”، أي إله، وإله مختلفة تماما عن لفظ الجلالة الله، بل حتى الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تتم ترجمتها بعبارات عامة لا يذكر فيها اسم النبي الكريم. باختصار، من يشاهد البرنامج معتمدا على قراءة الترجمة الإنجليزية يعتقد أنه أمام مجموعة من الناس الطيبين الذين يحظون بصفات إنسانية طيبة ولا علاقة لهم بإسلام ولا مسلمين (لك إن شئت أن تربط ذلك بمبادرة الصلاة يوم الخميس من أجل الإنسانية فالمنبع واحد).

البرنامج مَشَاهِدُه وحالاته وطريقة المُخرَج تعطينا صورة جليَّة بأنَّ العمل احترافي. ولعله من البديهي القول إنَّ القضية ليس مجرّد برنامج وليس غيثا، وإن كان كشخصية استحوذ على اهتمام كبير من المتابعين، دفعت طاقم عمل البرنامج عبر وسائل عدّة، وأبرزها موقع الإمارات اليوم للتأكيد على التالي: “يسلّط البرنامج الضوء على دور الإمارات المتميز في العمل الخيري والإنساني، ويساهم في مساعدة وتمكين كثيرين، ويقدّم البرنامج مفهوماً جديداً للعمل الخيري بعيداً عن الشهرة”. وهنا لا يسعُنا إلا أن نتساءل: هل العمل الخيري بالمفهوم الجديد لا يكون إلا بكشف وجوه المستفيدين من المساعدة؟!.. هل الابتعاد عن الشهرة يكون بإبراز دور الإمارات؟

في إحدى حلقات البرنامج من الموسم الثاني كان الاستفزاز حاضراً لجزء كبير من الشعب اليمني إن لم نقل كلّه، حين منح غيث مواطناً يمنياً يقطن في منطقة المُكلا جنوب اليمن وظيفة دائمة في مطار الريان الدولي اليمني، وهذا ما اعتُبِر تجاوزا لسيادة اليمن على مرفق سيادي، وهذا ما أثار حفيظة مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي حينها، تارةً استهزاءً بالواقع الذي وصلت له اليمن وأُخرى غضباً من الإمارات عبر وصفها دولة احتلال. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ الإمارات تسيطر على المطار منذ أربع سنوات تحت حجج واهية..

‎الحقّ يُقال بأنّ للإمارات باعا طويلا في العمل الخيري الإنساني، ولكن التوظيف السياسي الذي قامت به للعمل الخيري منتقد، وخصوصا أنها تقود حملة لمحاربة العمل الخيري الإسلامي وتضيق سلطاتها على المؤسسات الخيرية الإسلامية وتصنفها بالإرهاب وتتهمها بالعمل لصالح تلميع صورة الإخوان المسلمين، ثم هي ذاتها تقوم بنفس العمل!

ولكن ورغم انتقاداتنا الشديدة لجوانب من برنامج “غيث” ومساعيه، إلا أنه قدم نموذجا في العمل الخيري تفاعل معه المشاهد العربي بشدة، والرد عليه لمن يرغب يكون بإنتاج برامج أفضل وأكثر تأثيرا تتجاوز السلبيات التي وقع بها “وفي ذلك فليتنافس المتنافسون”.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

8 + 2 =