آخر الأحداث

أسامة جاويش: كورونا سيصيبك ولكنه لن يقتلك!

أسامة جاويش *

هاتفني صديقي الذي يعيش في بريطانيا منذ سنوات قائلا بثقة كبيرة في بداية المكالمة: “ستصاب بكورونا ولكنك لن تموت بها”.

هكذا قالها بهدوئه المعتاد ليتركني أبحث عن إجابات لآلاف الأسئلة التي تدور في رأسي.. من أين جاء بهذه الثقة الكبيرة بأن من يصاب بكورونا لن يموت بسببها؟ ألم يقرأ عن ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات في كل يوم؟ ألم يتابع حالة الهلع التي يعيشها العالم في هذه الأيام؟ ألم تصله نداءات الاستغاثة من داخل المستشفيات في هذه البلد أو ذاك؟ ألم يعان من إجراءات الحظر والإغلاق التام التي فرضتها معظم دول العالم؟

استفزتني كلماته الواثقة فانطلقت باحثا عن تفسير لها، محاولا التركيز على بريطانيا حيث أعيش كنموذج وحالة دراسة يمكن أن تعمم بعد ذلك، وتذكرت التقرير الذي نشرته صحيفة الجارديان بداية آذار/ مارس الماضي حول وثيقة سرية من وزارة الصحة البريطانية تنبأت بإصابة 80 في المئة من الشعب البريطاني بوباء كورونا. قادني البحث بداية إلى موقع وورلد ميتر، حيث الإحصاءات اليومية التي تخبرك بأعداد الإصابات ونسبة الوفيات وكم عدد من تعافى من كورونا، مع بعض الإحصاءات والرسوم البيانية الأخرى، فوجدت الآتي:

أن عدد الإصابات الرسمية (والمقصود هنا بالرسمية هي أعداد الإصابات التي تم تسجيلها داخل المستشفيات فقط) في بريطانيا 114,217، وأعداد الوفيات وصل إلى 15,464.

ونسبة الوفيات إلى تعداد السكان في بريطانيا هي حتى الآن: من بين كل مليون شخص يموت 226 شخصا فقط، بما يعني أن نسبة الوفاة (مقارنة بعدد السكان) حتى الآن بسبب الإصابة بفيروس كورونا لا تتعدى الـ0.0002 في المئة.

الحكومة البريطانية لا تملك إحصاء حقيقيا ودقيقا لأعداد الإصابات في البلاد لأنها ولا شك ستكون أضعاف الرقم المعلن. مئات الآلاف من البشر في بريطانيا أصيبوا بفيروس كورونا هم وأسرهم كاملة، وظهرت عليهم الأعراض جميعها وقاموا باتباع تعليمات الحكومة بالتزام المنزل وتطبيق العزل الذاتي لمدة أسبوع إلى أسبوعين، ثم تجاوزوا الأمر وعادوا إلى حياتهم مرة أخرى. في دائرة معارفي الشخصية أعرف أكثر من خمسين شخصا من بين أصدقاء وزوجاتهم وأولادهم أصيبوا ومكثوا في البيت ولم تعلن عنهم الحكومة، لأنها لم تجر أي اختبار لهم ولم ينقل أحدهم إلى المشفى، لحسن الحظ لم يمت أحد من هؤلاء متأثرا بالوباء.

في دراسة نشرها قسم الأبحاث الطبية في جامعة ستانفورد الأمريكية الأسبوع الماضي ويتم تقييمها علميا، أشارت إلى أن أرقام الإصابات الحقيقية بفيروس كورونا ربما تفوق الأرقام الرسمية والمعلنة بخمسين ضعفا، ما يعني في بريطانيا على سبيل المثال أن العدد الحقيقي لمن أصيبوا حتى الآن قد وصل إلى خمسة ملايين و700 ألف إصابة.

إذا ما أجرينا عملية حسابية لمعرفة نسبة الوفيات الحقيقية مقابل العدد الحقيقي للإصابات، سنجد أنها لا تتعدى 0.002 في المئة، في حين أن نسبة الوفيات الرسمية المعلنة من قبل الحكومة إلى أعداد الإصابات بلغت 13.5 في المئة من إجمالي المصابين.

قمت باختيار شهر آذار/ مارس الماضي لدراسة نسب الوفيات وعلاقتها بأعداد الإصابات وأسباب الوفيات وعلاقتها بوباء كورونا تحديدا، ووجدت على الموقع الرسمي لمكتب الإحصاء الوطني في بريطانيا بعض الأرقام الهامة والمتعلقة بشهر آذار/ مارس 2020:

توفي 47,358 شخصا في بريطانيا في الفترة ما بين 1 آذار/ مارس و31 آذتر/ مارس 2020، كان وباء كورونا أحد الأسباب لوفاة 7 في المئة فقط منهم.

من بين الحالات التي كان كورونا أحد أسباب الوفاة فيها، كان هناك 91 في المئة منهم يعانون من أمراض مزمنة ومشاكل صحية أخرى، أما من ماتوا بسبب كورونا فقط فكانوا فقط 9 في المئة.

من بين كل عشرة أشخاص يموتون بفيروس كورونا، يموت تسعة بسبب أمراض تتعلق بالقلب والمخ والجهاز التنفسي والسرطان إلى جانب كورونا، وشخص واحد فقط عرضة للموت بسبب إصابة مباشرة بفيروس كورونا دون معاناته من أي أمراض أو مشكلات صحية أخرى.

نسبة الوفيات في شهر آذار/ مارس الماضي بسبب مشاكل تتعلق بأمراض الزهايمر أو الجنون كانت 14 في المئة وهي الأعلى، وجاءت بعدها مباشرة الوفاة بسبب أمراض القلب ووصلت النسبة إلى 9 في المئة، ثم جاء فيروس كورونا الذي تسبب بوفاة 7 في المئة فقط من إجمالي وفيات هذا الشهر.

نسبة الوفاة في شهر آذار/ مارس بسبب فيروس كورونا بالنسبة لتعداد السكان، من بين كل 100 ألف شخص يموت 68.5 بنسبة 0.0006 في المئة.

التوازن بين التهويل الشديد والخوف منه وبين التهوين والاستخفاف به هو الأمر المطلوب في هذه المرحلة، فالدول تجاوزت مرحلة الصدمة وبدأت في التعامل بدراية أكبر مع هذا الوباء

الشريحة العمرية التي يستهدفها كورونا أيضا كانت مثار اهتمام، حيث كانت الشريحة العمرية الأكثر وفاة هي من 80 إلى 84 عاما بنسبة 20.5 في المئة، جاء بعدها من أعمارهم بين 85 و89 عاما بنسبة 18.1 في المئة، ثم من هم بين أعمار 75 و79 عاما بنسبة 15.9 في المئة، ومن هم فوق التسعين عاما بنسبة 15.6 في المئة، ثم من هم بين الـ65 و74 عاما بنسبة 15 في المئة. وأخيرا يستهف كورونا من هم أقل من 65 عاما بنسبة 13.5 في المئة، في حين أظهرت الأرقام أن من هم في عمر الأطفال وحتى 44 عاما كانت نسب الإصابة في شهر آذار/ مارس ضئيلة للغاية.

استرجعت مقولة صديقي بعد قراءة هذه الأرقام لأجد أننا ربما أصبنا بالفعل أو سيصيبنا كورونا لا قدر الله مع انتشاره الكبير بهذا الشكل، ولكن نسب الوفاة بالفعل حتى الآن هي ضئيلة ولا أتمنى أن تزيد أبدا. التوازن بين التهويل الشديد والخوف منه وبين التهوين والاستخفاف به هو الأمر المطلوب في هذه المرحلة، فالدول تجاوزت مرحلة الصدمة وبدأت في التعامل بدراية أكبر مع هذا الوباء.

قناعتي الشخصية في الآية الكريمة التي قال فيها ربنا عز وجل “وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا”. هو أمر مكتوب إذاً، لن تقدمه كورونا أو تؤخره وما هي إلا أسباب نأخذ بها حتى يأذن الله.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

27 + = 32