هل تذكرون آخر وباء عالمي؟

جستن فوكس

جستن فوكس

بعد أن جاءت نتائج فحوصات اثنين من الجنود بالجيش الأميركي إيجابية فيما يخص «إتش وان إن وان» داخل قاعدة «فورت ديكس» في نيو جيرسي عام 1976، قفزت الحكومة الأميركية بسرعة نحو التحرك، وأعلن الرئيس جيرالد فورد عن خطة لتطعيم «كل رجل وسيدة وطفل داخل الولايات المتحدة». إلا أن هذا لم يسفر سوى عن حالة من الفوضى، ذلك أنه على ما يبدو لم ينتشر الفيروس لما وراء حدود «فورت ديكس» وأسفر المصل الذي جرى إعداده على عجل عن مقتل نحو 30 شخصاً.

عام 2009. جاء رد الفعل أكثر هدوءًا. وفي خضم إعلانها عن حالة طوارئ عامة في أبريل (نيسان)، أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن الأمراض الناجمة عن السلالة الجديدة من «إتش وان إن وان» تتَّسمُ في معظمها بمستوى معتدل من الخطورة، ولا يتطلب علاجها سوى المكوث في المستشفى لفترة وجيزة، ولم تقع وفيات بين الحالات الـ20 المؤكدة داخل الولايات المتحدة. كما نصحت منظمة الصحة العالمية بعدم الإقدام على فرض أي قيود على السفر أو على الحدود الفاصلة بين الدول. ومع ذلك، استمر الفيروس في الانتشار.

بحلول 5 مايو (أيار)، أغلقت 5980 مدرسة أبوابها، في محاولة للسيطرة على تفشي الوباء. وبحلول أواخر يونيو (حزيران)، قدرت مراكز مكافحة الأمراض واتقائها أن مليون أميركي أصيبوا بالعدوى. في تلك الأثناء، أعلنت المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية، مارغريت تشان، في 11 يونيو أنه مع انتشار الفيروس عبر 74 دولة، فإن «العالم اليوم أمام بداية تفشي وباء الإنفلونزا عام 2009». وقالت كذلك إنه يجري العمل على إنتاج مصل، وأنه جرى اتخاذ إجراءات «لضمان توافر أكبر إمداد ممكن من المصل خلال الشهور المقبلة».

إلا أنه بحلول وقت توافر المصل على نطاق واسع، كان الوباء في انحسار بالفعل. وبحلول يناير (كانون الثاني)، ألغت الكثير من الدول طلبات شراء المصل التي كانت قد تقدمت بها.

وقد استعرضت كل ذلك، لأننا اليوم بطبيعة الحال نناضل في مواجهة موجة جديدة لتفشي فيروس عالمي، رغم رفض المدير العام الحالي لمنظمة الصحة العالمي، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، رفض حتى الآن وصفه بـ«الوباء» (عاد أدهانوم ووصفه بالوباء- المحرر). وعليَّ أن أعترف أنني نسيت أمر فيروس «إتش وان إن وان» تماماً حتى أرسل إليَّ اثنان من القراء رسالتين عبر البريد الإلكتروني يسألان عن سر غياب ذكر هذا الفيروس، عن مقال كتبته الأسبوع الماضي حول مخاطر فيروس كورونا الجديد.

الملاحظ أن الإشارة إلى وباء عام 2009، تحولت إلى موضوع متكرر الذكر داخل الدوائر الموالية لدونالد ترمب، مع ظهور مقالات تدعي أن الرئيس باراك أوباما لم يعلن حالة طوارئ صحة عامة حتى بعد شهور من تفشي «إتش وان إن وان» (الحقيقة أن حالة الطوارئ أعلنت في غضون أقل عن أسبوعين من اكتشاف وجود الفيروس، وإن كان أوباما قد رفع مستوى حالة الطوارئ تلك إلى «طوارئ عامة» أواخر أكتوبر (تشرين الأول). في الواقع، ادعى الرئيس ترمب نفسه عبر «تويتر» أن: «إنفلونزا الخنازير التي ظهرت بين أبريل 2009 وأبريل 2010. وأسفرت عن وفاة نحو 13 ألف شخص داخل الولايات المتحدة، جرى التعامل معها على نحو رديء». في الواقع، مثل هذه الاتهامات تعكس إلى حد ما أسلوب «وماذا عن»، أسلوب دعائي استخدمه الاتحاد السوفياتي السابق على نحو مفرط يهدف إلى تشتيت الانتباه بعيداً عن أخطاء ومشكلات عبر تحويل الأنظار إلى أخطاء ومشكلات مزعومة تتعلق بآخرين. ومع هذا، فإن المقارنة بين «كوفيد – 19» و«إتش وان إن وان» يمكنها تسليط الضوء على: لماذا أثار الأول رد الفعل الذي نعاينه اليوم.

مثلاً: لماذا جرى السماح لـ«إتش وان إن وان» بالانتشار عبر العالم من دون قيود تذكر، بينما تبذل الدول جهوداً أكبر بكثير للتصدي لانتشار «كوفيد – 19»؟ لماذا وصفت منظمة الصحة العالمية «إتش وان إن وان» بأنه وباء بينما لم تفعل ذلك مع «كوفيد – 19»؟ أليست حصيلة وفيات تبلغ 12.469 أسوأ بكثير عن الـ26 المنسوبة إلى «كوفيد – 19» داخل الولايات المتحدة حتى الآن؟

الحقيقة أن التساؤل الأخير الأسهل، والإجابة: لأن «كوفيد – 19» ما يزال في بداية انتشاره داخل الولايات المتحدة، وبالتالي لا يمكن مقارنته بتأثير «إتش وان إن وان» على مدار عام كامل. إذا ما بلغت حصيلة الوفيات داخل الولايات المتحدة بسبب «كوفيد – 19» 12.469 فقط بعد عام من الآن، فإن هذا من المحتمل النظر إليه كنجاح كبير. أما الأمر الذي يستدعي الشعور بالقلق اليوم فهو أن حصيلة الوفيات ربما تكون أعلى بفارق أضعاف مضاعفة، لأن «كوفيد – 19» أكثر فتكاً بكثير عما كان عليه فيروس إنفلونزا «إتش وان إن وان» عام 2009.

حتى هذه اللحظة من غير المعروف على وجه التحديد إلى أي مدى يعتبر أكثر فتكاً، لكن تبعاً للحالات التي جرى إبلاغ منظمة الصحة العالمية، فإن 3.4 في المائة من الحالات انتهت بالوفاة. وربما يكون هذا الرقم مرتفعاً على نحو مضلل، لأن الكثير للغاية من الحالات لم يتم الإبلاغ عنها، بجانب أنه داخل كوريا الجنوبية التي بذلت قصارى جهدها لاحتواء الفيروس، يبلغ معدل الوفاة حتى الآن قرابة 0.7 في المائة. ومع ذلك، فإنه حتى هذه النسبة الضئيلة تعتبر أسوأ بمقدار 35 ضعفاً عن موجة تفشي «إتش وان إن وان» عامي 2009 و2010. وإذا ضربت 12.469 في 35 تحصل على 436.415 ـ ما يشكل أكبر عدد من الوفيات بسبب مرض معدٍ داخل الولايات المتحدة منذ تفشي وباء الإنفلونزا عام 1918. علاوة على ذلك، فإن معدلات العلاج داخل المستشفيات مرتفعة للغاية فيما يخص «كوفيد – 19»، مما يعني أنه حال انتشاره على نفس المساحة التي انتشر بها «إتش 1 إن 1» فإنه سيشكل عبئاً مهولاً على نظام الرعاية الصحية الأميركي.

ويعتبر هذا واحداً من الأسباب المهمة للغاية، وراء تقديم الحكومات والبورصات حول العالم ردود فعل أقوى بكثير لـ«كوفيد – 19» عما أبدته أمام وباء «إتش وان إن وان» عام 2009.

المصدر: القدس

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

− 2 = 1