النهب المشروع و”الكليبتوقراطية” في صيغتها العربية| بقلم علي أنوزلا

▪︎بقلم علي أنوزلا  >> المقال منشور في موقع مدونات الجزيرة  

قبل أسبوعين كتبت في هذا الركن تدوينة حول مفهوم “الكليبتوقراطية” في صيغتها العربية، والتي لخصتها في تعريف عام يقول “تخصيص الأرباح وتأميم المخاطر”، بما أن المستفيدين من هذا النظام إنما يعتمدون القانون لشرعنة سرقاتهم. واليوم أريد أن أعود إلى الموضوع نفسه من خلال مفهوم قديم جديد هو مفهوم “النهب الشرعي”، أي النهب الذي يتخذ من القانون مرجعا وغطاء ومبررا له.

هذا المفهوم ليس بالجديد لأن أول من استعمله ونظر له هو المفكر والاقتصادي الفرنسي فريدريك باستيا في كتابه “القانون”. ولمن لا يعرف هذا المفكر، فهو اقتصادي فرنسي بارز من القرن التاسع عشر (1801 – 1850)، ساهم في تطوير الفكر الليبرالي، واشتهر بآرائه المدافعة عن الفكر الليبرالي والمنتقدة للفكر الاشتراكي، وألف في ذلك العديد من الكتب لعل من أهمها كتاب “القانون” الذي يعد، رغم صغر حجمه، مرجعا مهما في فهم فلسفة القانون.

ورغم أن كتاب باستيا ركز في تفكيكه لفلسفة القانون على انتقاد الاشتراكية التي تستغل القانون بحسب تحليله لإعطاء “النهب العام” للملكيات والحقوق الخاصة من طرف الدولة، الصفة القانونية، أو ما يسميه بـ “النهب المشروع” بدعوى المصلحة العامة، فإن العودة اليوم لهذا المفهوم تقربنا أكثر من فهم ظاهرة “الدولة المستحوذة” (State capture)، أي عندما تصبح الدولة “مختطفة” من طرف أقلية هي التي تستفيد من خيراتها وتستعمل القانون لشرعنة سرقاتها وفسادها ونهبها.
فالفساد لم يعد فقط هو ذلك الذي تمثله لنا الدعابة الرسمية في الرشوة بكل أنواعها والفساد الإداري تحت كل أشكاله، وإنما هناك أيضا شكل آخر كبير من أشكال الفساد، وهو أقل شهرة وأكثر انتشارا، ويوجد في كثير من البلدان التي تمر اقتصاداتها بمرحلة انتقالية، إنه “الفساد الشرعي”، أو بمفهوم باستيا “النهب الشرعي”، أو عندما يتم “الاستحواذ على الدولة” باسم القانون. بحيث نجد النخبة الحاكمة أو رجال الأعمال يتلاعبون في تشكيل السياسات والتأثير على القواعد المنظمة للعبة الاقتصادية بما يخدم مصالحهم الخاصة.

لكن، لفهم أعمق لظاهرة “الدولة المستحوذة” لا بد من العودة إلى قراءة كتاب “القانون” لباستيا. يبدأ باستيا كتابه محذرا من “القانون حين ينحرف !”.. شارحا أن القانون حين يتحول إلى “مهماز” للأطماع بدل أن يكون كابحا لها معاقبا لأصحابها فإن ذلك يشكل أمرا خطيرا على المجتمعات”.

وفي تعريفه للقانون يقول باستيا إنه : “التنظيم الجمعي لحق الفرد في الدفاع الشرعي عن النفس”. ويفسر ذلك بقوله: “إذا كان لكل فرد الحق في الدفاع عن شخصه، وحريته، وملكيته، ولو باستعمال القوة، فإن مجموعة من الناس لها الحق في التكتل والتفاهم وتنظيم قوة مشتركة لتوفير الدفاع بشكل مستمر”.

وبالنسبة لباستيا فإن الحق الجمعي يستمد مبدأه ومبرره وشرعيته من الحق الفردي، قبل أن يخلص إلى أن “القانون هو تنظيم الحق الطبيعي في الدفاع الشرعي عن النفس”، أي حلول القوة الجمعية محل القوة الفردية في الدفاع عن النفس، والغاية هي “بسط سلطان العدل على الجميع”.

لكن متى ينحرف القانون؟ يقول باستيا “القانون ينحرف عندما يشتغل على النقيض من غايته، أي عندما يقوم يتقويض العدالة التي وجد أصلا من أجل بسط سيادتها..”، ويشرح باستيا انحراف القانون بالقول إن ذلك يحصل عندما يقوم القانون بوضع القوة الجمعية تحت تصرف فئة تريد استغلال حرية وملكية الفرد، فيقومون بتحويل “حماية النهب” إلى “حق” وتحويل مبدأ “الدفاع الشرعي عن النفس” إلى “جريمة”.

وفي هذه الحالة يقول باستيا إن القانون عندما لا يكون كابحا لجماح الظلم يتحول إلى سلاح لا يقهر بيد الظلم، يشرعن العبودية والقمع والنهب، ويشرح قوله هذا: “عندما يكون النهب منظما بالقانون لفائدة الطبقات التي تصنعه، فإن كل الطبقات المنهوبة ستحاول الدخول بشكل ما، بالسبل السلمية أو الثورية، في عملية صنع القوانين”. لكن، ليس كل الناس في كل المجتمعات وفي كل الأحيان قادرين على الدفاع عن مصالحهم. أما الطبقات المتنورة التي يمكن الاعتماد عليها في تصحيح الوضع فإنها “تستطيع في سعيها إلى تحصيل حقوقها السياسية حسب مبلغها من التنور، أن تلجأ إلى أحد الخيارين المختلفين: إما إنها تريد إيقاف النهب القانوني أو أنها تتطلع إلى المشاركة فيه”. ويحذر باستيا: “الويل كل الويل للأمم التي يهيمن فيها هذا النوع الأخير من التفكير على الجماهير حين تستولي بدورها على السلطة التشريعية”.

وبالنسبة لباستيا: “لا يمكن أن يتسرب إلى مجتمع تغيير أعظم ولا سر أجسم من هذا: تحول القانون إلى أداة للنهب”، وفي حالة الفوضى هذه تُفتقد البوصلة “عندما يتناقض القانون مع الأخلاق فيجد المواطن نفسه أمام الخيار القاسي: إما أن يخسر حسه الأخلاقي، وإما أن يفقد احترامه للقانون، وهما شران يصعب الاختيار بينهما ولا يقل أحدهما خطرا عن الآخر”.

يقول باستيا: “يكفي أن يُنظم القانون النهب ويُقره، لكي يبدو النهب في نظر الكثيرين عادلا ومقدسا. فالعبودية والقيود والاحتكار تجد من يدافع عنها ليس في صفوف المستفيدين منها فقط، بل وبين الذين يعانون منها أيضا”.

وبالنسبة لباستيا فإن كل من يحاول أن يشكك في الجانب الأخلاقي للقانون سيقال عنه: “مبتدع، خطر، مثالي، ومنظر ومستخف بالقوانين، ويزلزل الأساس الذي يستقر عليه المجتمع”.
إن من صميم فلسفة القانون أنه يبسط العدالة، لذلك ينظر الناس دائما إلى كل ما هو قانوني على أنه شرعي، على اعتبار أن القانون والعدالة هما شيء واحد، في أذهان الكثير من الناس. و”غاية القانون” كما يقول باستيا هي “منع الظلم من أن يسود. فالظلم في الحقيقة هو الذي يملك وجودا ذاتيا وليس العدل. إذ إن أحدهما ينتج عن غياب الآخر”.

لكن القانون قد يتحول إلى أداة للظلم، وهو ما يصفه باستيا بـ”النهب الشرعي”، أي عندما يأخذ القانون “من البعض ليعطي للبعض الآخر، وأن ينهل من الثروة التي اكتسبتها كل الطبقات ليزيد ثروة طبقة واحدة..”. ومنطق باستيا هنا بسيط وسهل يقول: “لا شيء يدخل الخزينة العامة لفائدة مواطن معين أو طبقة معينة، إلا ما أجبر المواطنون الآخرون على وضعه في تلك الخزينة”.

في مثل هذه الحالة، أي حين يتولى القانون الدفاع عن النهب، ويضع كل أدوات تطبيقه واحترامه من أجهزة وشرطة وقضاء وسجون رهن إشارة الناهب، ويعامل المنهوب الذي يدافع عن نفسه معاملة المجرم، نصبح أمام مفهوم “النهب الشرعي”، الذي يقوم باستعمال آليات الدولة ومؤسساتها لفائدة فئات خاصة تحت ذريعة تحقيق النظام وتحقيق العدل، أي ما يصطلح عليه اليوم بإقامة دولة الحق والقانون.

ولتحديد متى يتحول القانون إلى أداة لشرعنة النهب، يقول باستيا: “يجب النظر في ما إذا كان القانون يأخذ من البعض ما لهم ليعطي لآخرين ما ليس لهم”. قبل أن يضيف شارحا: “إذا كان القانون ينفع مواطنا على حساب الآخرين من خلال عمل يعجز ذلك المواطن عن القيام به دون ارتكاب جريمة، فعجلوا بإلغاء هذا القانون، فهو ليس ظلما فحسب، إنه المعين الدافق بكل ظلم”.

فما هو دور الحكومة في هذه الحالة؟ يقول باستيا: “ما الحكومة إلا ذلك الوهم الذي يسعى من خلاله الجميع إلى العيش على حساب الجميع”، وبالنسبة له فإن من يجب أن يعيد الأمور إلى نصابها هي الدولة التي تقع على عاتقها مهمة إقامة العدالة والسلم والأمن.. وتترك للأفراد ممارسة حرياتهم الفردية المقرونة بالمسؤواية لتحقيق ذواتهم.

ا● المصدر : مدونات الجزيرة
الكاتب علي أنوزلا : صحافي وكاتب مغربي، مدير ورئيس تحرير موقع “لكم. كوم”، حاصل على جائزة (قادة من أجل الديمقراطية) لعام 2014

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

25 + = 34