استفادة الكيان من الوضع العربي وبعض الإقليمي المستكين

Ξ فايز رشيد ¦ كاتب فلسطيني 

بداية، فإن المشهد العربي بسوء أوضاعه الحالية، كان أبعد من التخيل السوداوي، حيث من الصعب حتى رؤية بعض الذي يجرى من أحداث على أرض الواقع ويتمثل في، استجابة متدرجة من غالبية النظام الرسمي العربي للمخططات الصهيونية، كما حددتها مؤتمرات هرتسيليا العشرون، التطبيع، وفود متبادلة، اتصالات رسمية علنية، عقد اتفاقيات، رفع الأعلام الإسرائيلية في العواصم العربية، تنسيق رسمي، الطموح إلى إقامة تحالف عربي ـ

إسرائيلي في مجابهة بعض الظواهر (كالإرهاب مثلا، وكأن الدولة الصهيونية ليست هي مؤسسة الإرهاب الأولى وراعيته ومدبرته ومحترفة ممارسته).

دولة الكيان الصهيوني لم تكن لتتصور السهولة التي اخترقت بها العديد من الدول العربية، وكأن الأخيرة باتت تتباهى بعلاقاتها الإسرائيلية، فإرضاء العم سام، باعتباره السيد المهيمن يمر عبر القناة الإسرائيلية، والصلاة باتجاه الكنيست قبل البيت الأبيض.

اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، أريد بها وصول الدول العربية إلى هذه الحالة، وكأنها خطة رسمت بدقة فائقة، ذات مظاهر إسرائيلية وعربية وفلسطينية وإقليمية. إسرائيليا: استغلت دولة الكيان الصهيوني الوضع، بل حاولت خلق الفرص الموائمة لضم الجزء الأكبر من الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية، وها هي الجهود تبذل من قبل نتنياهو لأخذ ضوء أخضر أمريكي لضم منطقتي غور الأردن وشمال البحر الميت إلى دويلة الكيان. وهناك مشروع قانون في الكنيست لترسيم هذا الضم، أما بيني غانتس كطرف آخر في مواجهة رئيس الوزراء المنتهي الصلاحية، فوعد بضمها بعد الانتخابات الثالثة، التي ستجري في الثاني من مارس/آذار المقبل.

للعلم مراقبون إسرائيليون كثيرون، كما محللون سياسيون عديدون يتوقعون انتخابات رابعة وخامسة، كما تحدث عن ذلك رئيس دولة الكيان رؤبين ريفلين. بالنسبة لضم المنطقة C التي تساوي 62% من مساحة الضفة الغربية، فقد تم تشكيل لجنة لضمها برئاسة نفتالي بينيت وزير الأمن الصهيوني الفاشي، لرسم خطط مراحل الضم، وهذه تسير بتسارع كبير. أيضا جيّرت إسرائيل التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، للحد من المقاومة حتى الشعبية منها. دولة الكيان ستبقي على حصار قطاع غزة، بانتظار تنفيذ بنود صفقة القرن، والذهاب باتجاه أرض سيناء (في هجرة نحو الشمال ـ مع الاعتذار للروائي الطيب صالح)، وإقامة حزمة صغيرة من المشاريع التطويرية فيها، إضافة إلى ميناء ومطار تحت إمرة ومراقبة الجانب الإسرائيلي، الذي سيكون له دور رئيسي في السيادة عليها، كما ستكون ملجأً احتياطيا إذا ما قررت دويلة الكيان إجراء ترانسفير من فلسطينيي منطقة 1948، إضافة إلى الضفة الغربية، عدا عن أراض عربية مجاورة أخرى، فالوطن البديل لم يغب حتى اللحظة عن الأذهان والعقليات الصهيونية.

من وجهة نظري، في خضم تناول الحدث العربي عموما، يتوجب عدم نسيان أربعة مفاصل عربية رئيسية مهمة تركت بصماتها على أحداث الواقع العربي الحالي: هزيمة عام 67، وفاة عبدالناصر وانقلاب نهج مصر، باعتبارها أكبر وأقوى دولة عربية، اتفاقية كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة وتداعياتها، وبدء انتقال الاتصالات مع الكيان الصهيوني من تحت الطاولة إلى فوقها، أحداث الربيع العربي عام 1911 في أكثر من بلد عربي ومصادرته من قوى الإخوان المسلمين. أيضا تنامي دور السلفية الأصولية، واستعمالها إسرائيليا وأمريكيا وغربيا، للإمعان في الصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية في الوطن العربي والإقليمي والعالم، وقد أدّى ذلك إلى تحولات بنيوية في المجتمعات العربية، وحرف مسيرة الصراع والتناقض التناحري من اتجاهه المفترض مع العدو الصهيوني، إلى اتجاهات ثانوية أخرى، تحولت بفعل عوامل قامت بتغذيتها وكب الزيت على نارها، لتتخذ الشكل التناحري في الصراع، وهو عمليا ما أضعف صراع أنظمة الممانعة العربية من جهة، ومن جهة أخرى أثرّ سلبا على قوى المقاومة الشعبية العربية.

ما حصل في سوريا ليس بسيطا، وسيترك نتائجه إلى مدىً أبعد مما نتصور، إضافة إلى ضعف في بنى القوى والأحزاب الوطنية والقومية والديمقراطية العربية، وضعف التنسيق فيما بينها، وعجز التجمعات والصيغ الوطنية العربية الجامعة عن مجابهة المخططات التي تستهدف الأمة العربية بكاملها، وتقصيرها في الوصول إلى الجماهير العربية العريضة، واتباعها لصيغ وآليات قديمة، وتحول اجتماعاتها إلى مناسبات موسمية، خالية من فكر التجديد الخلاق المتوائم مع خطورة المرحلة وأحداثها، والتقصير في مجابهة زيادة تبعية النظام الرسمي العربي للسيد الأمريكي، بما يعني السيد الإسرائيلي أيضا، واتساع مديات العلاقة مع الكيان الصهيوني. وكان على قوى التحرر والتقدم والعدالة في العالم إيجاد صيغة تعويضية وجرّ روسيا (التي هي ليست ولن تكون بديلا للاتحاد السوفييتي ومجموع الدول الاشتراكية) إلى مواقف أكثر عمقا في تأييد حركات التحرر العالمي في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية، وتشكيل ما يشبه تجمعا عالميا لمساندة قوى التحرر، كما العمل على دفع روسيا إلى مواقف أكثر راديكالية، وأيضا تقليل علاقاتها المتطورة جدا مع الكيان الصهيوني، بالطبع من الصعب إيراد أسباب هذا التطور وعوامله في مقالة صحافية قصيرة، وكان ممكنا ذلك لو جرى العمل على هذا الصعيد، نحن في حالة تغيير مستمر في مسار الأحداث، وسرعة انتقالها من حالة إلى أخرى، ما يعقّد إمكانية التنبؤ بما تحدثه من تغيرات في مناطق حدوثها، إلا أن مجمل هذه التغيرات كان له أثره على طبيعة ومسار الصراع العربي الصهيوني كما ذكرنا. كما علينا أن نرى الحالة في العديد من الأقطار العربية: لبنان، العراق، اليمن، ليبيا، الجزائر والسودان وغيرها، والقارئ العربي يدرك تفاصيل ما يدور في كل منها، والتدخل الأمريكي الصهيوني الغربي فيها، وهو ما يصب في صالح مخططات الكيان الصهيوني وأهدافه.

إقليميا منذ خطاب نتنياهو في جامعة بار إيلان عام 2009 تحول الموضوع النووي الإيراني إلى التحدي الأساسي بالنسبة لإسرائيل. بدورها كرّست مؤتمرات هرتسيليا الاستراتيجية الدورية تعظيم هذا الخطر. إيران بدورها كانت واضحة في التصريح، بأن أي ضربة توجه إليها ستقوم بقصف إسرائيل وإغلاق خليج هرمز الحيوي للملاحة ونقل البضائع بين إيران والدول الأخرى ومنها دول أوروبية. مضت الأمور بين إيران والكيان الصهيوني بين مدّ وجزر حتى مجيء ترامب المؤيد للكيان في الحديث عن الخطر الإيراني، فكانت خطوته الأولى الانسحاب من الاتفاق النووي، الأمر الذي عمل على المزيد من توتير الأجواء الأمريكية الإيرانية. ترامب يقف على يمين اليمين الفاشي الصهيوني، وكان قراره حول القدس ونقل السفارة الأمريكية إليها، وتأييد كل خطوات الضم، بما في ذلك هضبة الجولان والاستيطان والاعتداءات الصهيونية على الفلسطينيين والعرب. حاولت أمريكا وإسرائيل الاستعاضة عن ضرب إيران مباشرة، بتوجيه ضربات عسكرية إلى أهداف إيرانية في سوريا. تطور الوضع إلى اغتيال واشنطن لقائد فيلق القدس قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ورفاقهما على طريق مطار بغداد والرّد الإيراني بقصف قاعدتين أمريكيتين في العراق، وإنكار أمريكا الكاذب بوجود خسائر، فبعد أيام تبين العكس.

اللافت للنظر صهيونيا أنه بدأ اعتبار صواريخ حزب الله الاستراتيجية الدقيقة الإصابة، أكبر الأخطار على إسرائيل. على المدى القريب المنظور ليس من المتوقع تصعيدا دراماتيكيا على صعيد المواجهة الأمريكية الإيرانية، خاصة أننا على أبواب انتخابات أمريكية، وترامب مأزوم في قضية عزله، تماما كحليفه نتنياهو، الذي يهدد بشن حربا على غزة قبل الانتخابات، وعلى الأغلب ستجري محاكمته على قضايا الفساد الثلاث بعد الانتخابات مباشرة. على الصعيد التركي، فإن أردوغان يجدد سيناريو غزوه لسورية لمواجهة تقدم الجيش السوري في منطقتي الحسكة وحلب، كما أدخل قوات تركية إلى ليبيا لمناصرة حليفه رئيس الوزراء فايز السراج، لكن الوضع الليبي أكثر تعقيدا مما يعتقده أردوغان، وهو يعتبر الموصل وحلب ولايتين عثمانيتين. لا تأتي الرياح في ليبيا كما تشتهي سفن أردوغان فهناك عوامل فاعلة أخرى في ليبيا، روسيا وبعض الدول الأخرى، ويبقى مؤتمر بون الأخير وقراراته، وفقا لقرارات الأمم المتحدة، تبقى حبرا على ورق.

آخر إنجازات نتنياهو، اجتماعه برئيس المجلس السيادي السوداني عبدالفتاح البرهان وسماح الأخير بتحليق الطائرات الإسرائيلية في أجواء بلده. صحيح أن دويلة الكيان الصهيوني هي المستفيد مما يجري من أحداث في المنطقة والإقليم، لكن الزمن لا يقف عند نقطة، فالأحداث متسارعة ومتحركة، ولن تبقى واشنطن ولا تل أبيب من تكتبا جدول أعمال المنطقة، فلطالما شهدنا انهيار امبراطوريات كبرى في التاريخ أصيبت بجنون عظمة القوة تماما كالولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها الإسرائيلية. خذ بريطانيا مثلاً.

منشور في جريدة القدس العربي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

60 + = 64