آخر الأحداث

الأساطير المؤسسة لتدخل السيسي الوهمي في ليبيا

  طارق الكحلاوي •

الرئيس المصري قرر أن يمارس صلاحياته، إذ لديه كما هو معروف صلاحية قرار الحرب والسلم، وقرر أن يعلن نيته غزو ليبيا. طبعا السيسي في نهاية الأمر قائد جيش، وهو أصلا تحول إلى رئيس لأنه وظف الجيش للانقلاب العسكري.

الجيش المصري ليس هيّنا، ليس فقط تاريخا وتموقعا وتقاليد ووزنا اقتصاديا، بل أيضا إمكانيات، ولا يجب التهوين من نيته لخوض الحرب. المشكل هو الحرب على ماذا؟ على عدوان خارجي؟ من أجل الأمن القومي العربي؟ من أجل الاستقرار في ليبيا ومساعدة شعبها على فرض سلطة الحكم الشرعي؟ قال السيسي إن ينوي غزو ليبيا وتسليح قبائلها من أجل كل ذلك.

لكن تلك ليست إلا الأساطير المؤسسة لتدخل السيسي في ليبيا. باختصار، ما يحصل هو النية للإعلان عن تدخل مصري حاصل أصلا، وهو حصان طروادة (للأسف) لتدخل إماراتي- فرنسي أساسا، وليس له علاقة من قريب أو بعيد بالأمن القومي العربي. هو أصلا أحد التعبيرات المميزة على فشل منظومة الأمن القومي العربي. يبقى أن الأهم من كل ذلك أن نية السيسي للتدخل هي في الأساس وهمية.

المشهد في ليبيا من حيث موازين القوى العسكرية على ضوء إعلان السيسي “استعداده” للتدخل العسكري في ليبيا هو عمليا كالتالي:

– قوات السراج تتقدم إلى الشرق في اتجاه سرت، تحت غطاء جوي تركي.

– “استعداد” تركي لنشر طائرات حربية في قاعدة الوطية (لا يبدو أن هناك اعتراضا أمريكيا على ذلك)..

– المرتزقة الروس بصدد تفخيخ المنازل في سرت في إطار سيناريو الانسحاب منها.

– جنوب سرت قاعدة الجفرة، حيث تتموقع الطائرات الحربية الروسية.

– السيسي يقول إن خط سرت- الجفرة “خط أحمر”. لكن سرت تبعد عن الحدود المصرية حوالي 1200 كم… هل يمكن أن تتوغل بقوات برية كبيرة إلى ذلك المدى (فرضا أن ظهرها كان آمنا تماما ولن تلقى أي اعتراض من أي من القبائل الليبية)؟

– من حيث القدرات العسكرية الجوية المصرية، لا تمثل قيمة مضافة مقارنة بالطائرات الروسية، ولا يمكن أن تعادل الغطاء الجوي التركي خاصة الطائرات المسيرة.

– خط سرت هو خط “المنطقة الغربية” في ليبيا. ومن المعروف أنه “خط أحمر”، أيضا جزائري خاصة أمام أي توغل مصري. وللتذكير، الجزائر بصدد تعديل دستورها، ومن أهم التعديلات السماح بتدخل الجيش الجزائري خارج أراضيه. الجزائر أيضا بصدد لعب دور سياسي محوري في الفترة الأخيرة. فاستقبلت منذ أسبوع عقيلة صالح (رئيس البرلمان الليبي، المقرب من مصر)، ثم استقبلت رئيس حكومة الوفاق السراج (القريب من تركيا).

– للإشارة، أي تدخل عسكري مصري في ليبيا يعني تزايد التدخل العسكري الإماراتي هناك.

وفقا لمجمل هذه المعطيات، لا يمكن أن يمثل أي تدخل عسكري مصري جوي قيمة مضافة حقيقية تقلب الموازين.. أما التوغل البري فليس مكلفا وصعبا وغير مسبوق فقط، بل أيضا سياسيا مكلف خاصة إزاء الموقف الجزائري.. لهذا، الأغلب أن “استعداد” السيسي للتدخل هو عملية استعراضية أكثر منها استعداد فعلي.. والأرجح أنه يتم في إطار تنسيق مع الروس والفرنسيين الذين يضغطون من أجل إيقاف تقدم قوات السراج والأتراك.

للتذكير، المفاوضات الأهم تتم الآن بين تركيا وروسيا، فهما الطرفان الخارجيان الأكثر وزنا عسكريا في الداخل الليبي.

تونسيا، موضوعيا وتاريخيا وجيوسياسيا لا يمكن أن تلعب دورا بعيدا أو على الضد من الموقف الجزائري. الزيارة إلى باريس، وبعكس ما يعتقد البعض، لم تحوّر في جوهر الموقف الرسمي، حيث تمسك قيس سعيد بشرعية حكومة السراج وأعاد التأكيد على أن الحل ليبي- ليبي.

يبقى أن الإشارة إلى الطابع “المؤقت” لحكومة الوفاق، رغم أنها دقيقة قانونا، لم تكن موقفة دبلوماسيا. كما أن الاعتماد حصرا على القبائل كحامل اجتماعي للحل أيضا لا يعكس فهما دقيقا للواقع الليبي.

في كل الحالات لم تدعم تونس الدعوة المصرية لعقد اجتماع عربي عاجل حول ليبيا بدون موافقة حكومة السراج، وهو عمليا التعبير العملي على تمسك تونس بموقفها المعتاد.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

55 − = 53