حفتر والأسد وجهان لعملة واحدة

علي حسين باكير *

في بداية شهر آذار (مارس) الماضي، ذكرت صحيفة الشرق الأوسط السعودية أنّ أمير الحرب خليفة حفتر، الذي يحاول الإطاحة بالحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس والاستيلاء على السلطة، زار العاصمة السورية دمشق سرّاً والتقى رأس النظام السوري بشّار الأسد، مشيرةً إلى أنّ هذه الزيارة مهدّت لاحقاً لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين الانقلابي حفتر وحكومة نظام الأسد في دمشق، وأنّ الهدف الأساسي منها هو توحيد الجهود لمواجهة تركيا.

وبالرغم من أنّ المتحدث باسم ميليشيات حفتر كان قد أنكر حصول هذه الزيارة، إلاّ أنّ التطورات اللاحقة صبّت جميعها في خانة التأكيد على التحالف القائم بين الديكتاتور الليبي ورفيقه السوري، فكلاهما متعطّش للدماء ويريد التمسّك بالسلطة بأي ثمن. لكنّ هذه العناصر ليست القاسم المشترك الوحيد بين حفتر والأسد، إذ إنّ كليهما دشّنا عصر الميليشيات والمرتزقة في المنطقة بقوّة، ففي حين استعان الأسد بالميليشيات الشيعية التابعة للحرس الثوري الإيراني من أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان واليمن، فإنّ حفتر استعان بمرتزقة من تشاد والسودان وأماكن أخرى.

لا تغيب روسيا عن المشهد عندما يتعلّق الأمر بدعم الديكتاتورين الأسد في سوريا وحفتر في ليبيا. يأخذ هذا الدعم أشكالاً متعدّدة تتراوح بين السياسي والعسكري مع فارق أنّ موسكو حاضرة بقواتها الرسمية في سوريا بالإضافة إلى مرتزقتها التي تعمل تحت مجموعة فاغنر، في الوقت الذي تتواجد فيه في الساحة الليبية من خلال الفاغنر فقط وذلك لأسباب تقنيّة على الأرجح مع طموح ربما أن تصبح ليبيا لها بمثابة قاعدة عسكرية متقدّمة في شمال إفريقيا إذا ما قُدّر لحفتر أن ينتصر.

لكنّ العوامل المشتركة بين الديكتاتورين لا تقف عند هذا الحد، فكلاهما يتلقى دعماً من دولة عرف عنها الريادة في منع التحوّل الديمقراطي في المنطقة من خلال تشجيع الانقلابات العسكرية وتنصيب دمى لا يجمع بينها سوى الانتماء إلى العسكرتاريا العربية التي لم يعرف عنها سوى الفشل الذريع في الحروب وحكم الشعوب بقبضة من حديد. وإن كان دور أبو ظبي غنّياً عن التعريف في ليبيا، إلاّ أنّه بدأ يظهر كذلك بشكل من الأشكال مجدداً في سوريا.

ولا يغيب دور نظام السيسي في مصر عن المشهد كذلك في العلاقة بين الديكتاتورين، لا بل إنّ هناك من يشير إلى أنّ فكرة إنشاء تحالف بينهما وإن كانت مدعومة سياسيا ومالياً من قبل أبو ظبي، إلاّ أنّها تعود في الأساس إلى النظام المصري الذي يبحث عن انتصارات وهميّة في زمن تقلّص فيه دور مصر الإقليمي إلى بوابة معبر على الحدود مع غزّة، وكثيرون يشككون في أن يكون ذلك ضمن نفوذها أصلاً!

على أنّ العامل الأهم في توحيد جهود الديكتاتورين في سوريا وليبيا على ما يبدو هو العداء لتركيا، وهذا ما يُفسّر أيضاً حجم الدعم الذي يتلقّيانه من الدول التي ترى أنّ أنقرة تشكّل عائقاً أمام تمدّد حالة الرجعية العسكرية في العالم العربي. المفارقة أنّ الديكتاتورين الفاقدين للشرعية والمأزومين سياسياً واقتصاديا وعسكريا يحاولان تبادل خبرات القتل والتدمير في وقت هما غير قادرين فيه على ضمان مصيريهما.

في شهر نيسان/ أبريل الماضي، أوردت بعض المعلومات أنّ حفتر قام بإرسال مجموعة من العسكريين إلى دمشق للتدرّب على استخدام المروحية الهجومية “mi-25” التي يستخدمها نظام الأسد ضد المدنيين منذ اندلاع الثورة السورية وتتوافر كذلك لدى ميليشيات حفتر التي تبدو في وضع ميؤوس منه بعد خسارتها التفوّق الجوي لصالح حكومة الوفاق.

وإن كان ذلك ليس بغريب لاسيما إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنّ الأسد كان قد أرسل أسلحة وطيّارين إلى نظام معمّر القذافي إبّان الثورة الليبية، إلاّ أنّ المثير للسخرية والتعجّب معا أنّ النظام السوري الذي يفتقد إلى القوّة البشرية اللازمة لتثبيت سيطرته على أراضيه نَشَطَ منذ العام الماضي في تجنيد وإرسال السوريين الموالين له للقتال إلى جانب حفتر في ليبيا في الوقت الذي تعزّز فيه إيران من تواجد الميليشيات الشيعية في سوريا بسبب عدم قدرة النظام على بسط سيطرته على الأرض!

وفقاً لتقرير لجنة الخبراء الذي تمّ رفعه إلى مجلس الأمن في 24 نيسان/ أبريل الماضي، فإنّ حفتر يستعين بحوالي 1200 عنصر من مرتزقة فاغنر الروسية وحوالي ألفين من المرتزقة السوريين الموالين لنظام الأسد، علماً بأنّ هناك من يشير إلى أنّ الأرقام الحقيقية أكبر من ذلك. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: من يموّل هذه التحرّكات يا تُرى؟

الديكتاتوران في وضع سيئ اقتصادياً ومادّياً، وروسيا ليست في وارد تمويل مرتزقة وإن كانوا يتبعون لها فضلاً عن أن تقوم بتمويل مرتزقة سوريين قيل إنّ الواحد منهم يكلّف حوالي ألف دولار شهرياً. أمّا إيران فهي في وضع اقتصادي صعب للغاية يرى البعض أنّه يقف وراء تفكيكها بعض قواعدها في سوريا حيث يتمركز عناصر من قواتها الرسمية أو من الحرس الثوري، ومن البديهي أنّها لن تقوم بتمويل ميليشيات حفتر. وعليه، تبقى الإمارات اللاعب الوحيد القادر عملياً والراغب فعلياً في تمويل مرتزقة الديكتاتورين.

إلى أي مدى من الممكن لهذه السياسة أن تنجح في ظل تراجع أسعار النفط والانعكاسات الاقتصادية الرهيبة المنتظرة لجائحة كوفيد-19؟ هناك من يقول إنّ أبو ظبي لديها من الأموال ما يكفي طالما أنّ الوضع يتعلّق بمواجهة السياسة التركية في المنطقة، لكن إن كان المال مضموناً لتوحيد جهود الديكتاتورين، إلاّ أنّ هناك مفارقة حسنة له، إذ من الممكن كذلك أن يكون عاملاً في توحيد مصيرهما.

الربط العميق الجاري اليوم باسم مواجهة تركيا يعني أنّ تهاوي أو سقوط حفتر أو الأسد سينعكس حتماً على الآخر، فهما وجهان لعملة واحدة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

39 + = 47