دبلوماسي فلسطيني: كورونا أسقطت “صفقة القرن” نهائيا

همس نيوز

المفكر والدبلوماسي الفلسطيني سيف الدين الدرين، مسؤول الشؤون العربية في الدائرة السياسية الفلسطينية وفي الجامعة العربية سابقا، من بين نخب حركة التحرر الفلسطينية الذين ناضلوا في لبنان ثم وقع ترحيلهم إلى تونس بعد حرب 1982.. ثم عين رئيسا للجالية الفلسطينية بتونس.

عمل سيف الدين الدرين عن قرب مع الزعيمين الراحلين ياسر عرفات وخليل الوزير، أبو جهاد، ثم مع الزعيم فاروق القدومي، مكلفا بالدراسات الاستشرافية والإستراتيجية. وعمل دبلوماسيا مكلفا بالدراسات الفلسطينية والعربية في جامعة الدول العربية وشارك في الوفود التفاوضية العربية ـ الإسرائيلية في 1993، ثم انسحب بعد أن اكتشف أنها كانت “وهما لتبرير دور وظيفي جديد لإسرائيل وعملائها في المنطقة ولتشريع التمدد الإسرائيلي داخل الدول العربية والإفريقية”، على حد تبعيره.

“عربي21” التقته وكان لها الحوار التالي حول المتغيرات الإقليمية والدولية بعد وباء “كورونا”.

س ـ كيف يستشرف الباحث والمفكر الفلسطيني سيف الدين الدرين مستقبل المنطقة والعالم بعد وباء “كورونا”؟

ـ أولا بالنسبة للشعب الفلسطيني والوطن العربي أعتقد أن مبادرات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن القدس وفلسطين والصراع العربي الإسرائيلي المعروفة بـ” صفقة القرن” سقطت نهائيا .. وسيغلق ملفها نهائيا بعد كورونا..

لكن وضع شعبنا الفلسطيني بائس.. بائس.. بائس ..

إن مزيد انشغال السياسيين في المنطقة والعالم عن حقوقه الوطنية والسياسية والإنسانية قد يزيد الوضع تعفنا.. خاصة أن الوضع الداخلي الإسرائيلي تأزم أكثر بسبب فشل السياسيين في تحقيق توافق حول حكومة جديدة بعد 3 انتخابات عامة.. وبسبب تعمق التناقضات بين “المتدينين المحافظين” و”العلمانيين”..

لذلك فإن مستقبل فلسطين والدول العربية والإسلامية قد يكون قاتما أكثر.. والتحديات القادمة سوف تكون أكبر.. بسبب سياسيين يلعب أغلبهم “دورا وظيفيا” خدمة لأجندات أجنبية استعمارية وللوبيات تدعم منظومة فاسدة ونظاما إقليميا ودوليا تأكد فشله ..

إسرائيل “دولة وظيفية”

س ـ هل يعني هذا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي سيزداد دورها داخليا وفي المنطقة بعد أزمة كورونا؟ ألا تتوقعون انتكاسة لسياسة إهدار المليارات في أمريكا وأوربا لدعم الجيش الإسرائيلي وجيوش العالم بعد أن تبين أن البشرية تخوض حربا مع جرثومة لا طاقة لكل القوات المسلحة بمواجهتها؟

ـ فيروس كورونا خلط الأوراق عالميا وفي إسرائيل وداخل صناع القرار في الدول العربية والإسلامية والإفريقية التي أنفقت أموالا طائلة خلال العقود الماضية في التسلح ودعم المؤسسات العسكرية والأمنية..

هذا الفيروس “سوف يكون لديه مردود سلبي على القوات العسكرية في كل مكان، بما في ذلك القوات المسلحة الإسرائيلية، التي وجدت نفسها عاجزة مثل غيرها عن حماية مجتمعاتها وشعوبها وساستها رغم ما تمتلكه من أسلحة دمار تقليدية ونووية وكيمياوية..

بل إن الخوف من العدوى وسقوط الضحايا داخل التجمعات العسكرية والمدنية سوف يستنزف طاقات المؤسسات المسلحة والجيوش، بما فيها جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي كان يتباهى بـ “القبة الحديدية” التي تحمي شعبه..

سوف تضطر قيادات جيش الاحتلال وعساكر القوات الأجنبية في الوطن العربي الإسلامي وإفريقيا وآسيا إلى تعديل ساعاتها وإعادة النظر في أولياتها، وفي خيار “تجميع عدد كبير من العسكريين”.. تحسبا لحروب بيولوجية وجرثومية جديدة ..

رب ضارة نافعة!

س ـ هل تتوقع أن يفهم القادة والزعماء في فلسطين والدول العربية الدرس فيتوقفوا عن استنزاف الطاقات البشرية والمادية في معارك هامشية يستفيد منها “الآخر” ويدفع ثمنها الوطن والفقراء وموازنات الحكومات والرأس المال الوطني؟

ـ هناك من يتبنى نظرية “رب ضارة نافعة” ويتوقع أن تفهم القيادات الفلسطينية والعربية والإسلامية الدرس وأن تصلح غلطاتها حتى تنجح في توظيف الأزمة الحالية لصالحها.. في اتجاه بناء نظام عالمي جديد ونظام إقليمي متوازن ..

لكن كل المؤشرات تؤكد أنه لا يمكن أن تتغير الأوضاع في ظل هذا النظام العربي والدولي.. ودون مبادرات جريئة تبدأ بالنقد الذاتي وبإعداد دراسات استشرافية معمقة..

أذكر أن الأستاذ الشاذلي القليبي، الأمين العام لجامعة الدول العربية بين 1979 و1990، دعا مع فريقه في مقر تونس سفراء الدول العربية في الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية عام 1989 على نفقة الأمانة العامة.. وجرى الاستماع خلال أسبوع كامل لشهادات وتقييمات السفراء والدبلوماسيين والخبراء لمنعرج “انهيار جدار برلين” و”المعسكر الشرقي”.. بهدف مساعدة صناع القرار في الدول العربية والجامعة في الفهم والاستشراف ..

هل نتوقع اليوم مبادرة من هذا النوع وفي مثل هذا التوجه؟

أستبعد ذلك..

وأتوقع مزيدا من الانقسام بين الأنظمة العربية، أي مزيد إضعاف مؤسسات العمل العربي المشترك.. الأغلبية في مستوى الشعوب والدول في الوطن العربي الإسلامي ليس لديها أموال.. والأقلية التي لديها أموال تتحكم فيها لوبيات مشبوهة و”قيادات وظيفية”.. مكلفة بمهمات لصالح “الآخر” الأجنبي والإسرائيلي ..

بصراحة لا يمكن تغيير الأوضاع دون تغيير هذا النظام الإقليمي والدولي.

بعد الثورات العربية

س ـ هل يمكن للأزمات الدولية والعربية بعد وباء كورونا أن تستفز الهمم وتعيد الأمل بانتصار قوى التغيير بعد عشرية من اندلاع الثورات الشعبية العربية؟

ـ التغيير مسار حتمي.. ولن يفشل.. والثورات الشعبية العربية عبرت عن إرادة الشعوب للتغيير والإصلاح..

وإذا قارنا بين أوضاعنا والأوضاع في عهد آبائنا وأجدادنا فالأمور تحسنت والتغيير ماض.. وإرادة التغيير والأصلح سوف تنتصر.. لكن أطرافا كثيرة سوف تحاول أن تعرقلها.. لأن شرعية هذه المنظومة العربية بأيدي الآخرين.. شرعياتها من الخارج..

هي منظومة “وظيفية”..

هذه المنظومة العربية أعاقت الثورات العربية وتعيق جهود تحقيق الوحدة الفلسطينية والعربية والإسلامية.. وتفتعل أعداء وهميين شيوعيين ويساريين أو قوميين أو إسلاميين.. في تناغم مع مخططات القوى العظمى..

شعوبنا تستنزف.. وأرض فلسطين وقدراتها تستنزف بعيدا عن قضيتنا المركزية، أي إنهاء الاحتلال.. وفي فلسطين والدول العربية وأغلب دول العالم قد يزداد بعد كورونا استنزاف الطاقات في قضايا هامشية وفي أزمات داخلية.. قد تكون دينية أو طائفية أو عرقية..

إسرائيل “دولة وظيفية”

س ـ هل يمكن أن يستفيد الفلسطينيون والعرب من استفحال الانقسامات داخل إسرائيل ومن سيناريو نقص الدعم الدولي لسياسات الاحتلال بعد كورونا؟

ـ الانقسام الإسرائيلي ـ الإسرئيلي عمق الأزمة داخل سلطات الاحتلال.. وقد زادت الانقسامات بعد كورونا بما في ذلك بين “المتدينين” والبقية لأن نصف الإصابات الإسرائليية وسط المتدينين.. الذين لا يهتمون بالتلفزيون والأخبار ويبقون كثيرا في الكنيس.. ولا يحترمون قرارات منع التجمعات والاكتظاظ..

والوضع الاقتصادي في إسرئيل أيضا سيئ.. لكن إسرائيل دولة وظيفية.. وإذا استفحل الخلل في النظام العالمي.. فإن السؤال الكبير مستقبلا هو: ما هي الوظيفة التي سوف تؤديها القوة العسكرية الإسرائيلية في المنطقة؟

وحسب مؤشرات عديدة فإن تواجد القوات الغربية على الأراضي العربية سيعني تراجع الحاجة إلى إسرائيل وخدماتها الأمنية والعسكرية..

العمالقة يتصارعون حول “الكمامات”

س ـ لكن القوات الأمريكية والأطلسية تعيد انتشارها منذ عهد أوباما في العالم العربي والإسلامي.. وبعضها انسحب مؤخرا من سوريا والعراق وإفريقيا.. هل ستعود الحاجة إلى “الدور الوظيفي الإسرائيلي”؟

ـ الأوضاع معقدة وقد تزداد تعقيدا ..

في العراق وسوريا مثلا هناك مواقف متناقضة من الوجود الأمريكي والأطلسي.. عارضه البعض وخاصة الشيعة ودعمه بعض الأكراد والسنة بطلب من دول عربية .. لكن وباء كورونا قلب المعطيات.. وقد يغيرها بسرعة أكبر..

قد تكون “القوات غير النظامية” (أو “الميليشيات” و” “المرتزقة”) أول مستفيد من الأزمة الحالية.. وقد لاحظنا في العراق مثلا أن القوات غير النظامية هي التي أخرجت القوات الأمريكية والأجنبية وليس القوات الحكومية..

في نفس الوقت فإن كورونا جعلت الذين احتموا بكردستان هربا من الاقتتال وسط العراق يكتشفون أن الحرب اليوم أصبحت من نوع جديد.. وأن مفهوم الأمن الجغرافي سقط ..

ولا أتوقع أن تستفيد الأطراف المتحالفة مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي في العراق وسوريا وفي المنطقة، لأن ذلك سوف يفقدها شرعيتها السياسية والاخلاقية والوطنية ..

في المقابل فإن الدول الغنية المتضررة من وباء كورونا مثل الولايات المتحدة قد تحاول أن تفرض مزيدا من الضغوطات على الدول النفطية العربية لابتزازها ولتحصل على أموال جديدة إضافية لتعويض خسائرها ..

سيزيدون النهب.. وسينوعون صيغ ابتزازهم لثروات العرب والدول النامية ..بعد كورونا التي كشفت معارك بينهم حول الكمامات أنهم سينقسمون أكثر.. الاتحاد الأوروبي سوف يكون أضعف وأكثر تفككا.. وما دام الموت لم يجمعهم قد يفتعلون صراعات وحروبا جديدة حول أسباب وهمية مثل افتعال بديل “للعدو الشيوعي” و”العدو الإسلامي”.. إلا إذا انتصر الحكماء الذين سوف يوقفون سياسات “فبركة الأعداء” وافتعال النزاعات المسلحة والحرب خدمة لمصالح لوبيات صنع السلاح الدولية وحلفائهم ..

المصدر: عربي21

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

77 + = 78