حوار الناشط السياسي عزام التـميمي مع صديقه السوري

عزام التـميمي

عزام التـميمي

تواصل معي صديق سوري قائلا:
“أحببت أن أشكرك على تخصيص برنامج حوار لندن الخميس الماضي عن الثورة السورية. برأيك هل تعتقد أن إقامة دولة في ريف إدلب أصبح أمراً واقعياً؟ هل ترى أنه إذا سعى الفاعلون في الثورة لتوحيد جهودهم لإقامة دولة مدنية في ريف إدلب فسيضمن ذلك السلامة والاستقرار للثوار وبالتالي إنشاء نموذج يحتذى به في المنطقة في المستقبل؟

البعد التاريخي لهذه الفكرة موجود منذ هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وإقامة دولة ذات بعد إسلامي. أيضا هناك نماذج فشلت من العصر الحديث مثل كوريا الشمالية والجنوبية ونماذج ضمنت السلامة والاستقرار ولكن لم تضمن الاستمرارية مثل البوسنة والهرسك، ونماذج نجحت كألمانيا الشرقية والغربية بسبب زيادة الوعي الشعبي لإقامة دولة واحدة وأنا أراهن على هذا النموذج”.

أجبته:
“حياك الله. القضية السورية قضيتنا، إنها قضية أهلنا الذين من حقهم أن يعيشوا بكرامة وفي منظومة تحترم حقوقهم الأساسية. أما موضوع الدولة فليس باليسير. وكل نموذج من النماذج التي ذكرتها أعلاه كان له سياقه وخصوصياته. في ريف إدلب تحتاج الدولة إلى توافق دولي عليها لتوفير حد أدنى لها من الحماية يضمن بقاءها. ومثل هذه الدولة لن توافق على قيامها روسيا ولن تتمكن تركيا وحدها من توفير غطاء لها. على الأقل ليس في الوقت الراهن. وفي ظني أن أقصى ما يمكن تحقيقه هو العمل على استمرار المناطق الآمنة وتوسيعها إن أمكن إلى أن تتعدل موازين القوة العالمية. وتغير الموازين وارد، بل هو حاصل في حياة البشر، تاريخاً وحاضراً، وسيستمر. لكن، ما من شك في أن توحد السوريين على هدف واضح ونزع ما بينهم من خلافات وغل وتنافس وأحقاد سيكون له بكل تأكيد أكبر الأثر الإيجابي على قضيتهم، وسينجم عنه في الحد الأدنى وضع حد لما تمارسه القوى الإقليمية والدولية من تلاعب بهم”.

رد علي الصديق السوري قائلا:
“أتفق معك في هذا التحليل لكننا كسوريين لسنا فاعلين في تعديل موازين القوى مع الأخذ بعين الاعتبار الفترة الزمنية الطويلة لتحقيق ذلك. أيضا باعتقادي أن فكرة إقامة دولة ممكن أن تكون ورقة ضغط على القوى الدولية لتسريع عملية السلام”.

فأجبته قائلا:
“لا مفر حتى تقوم دولة في شمال سوريا من أن تتوفر لها حماية قوة إقليمية كبرى، ولا أظن أن تركيا ستجازف بالدخول في حرب مع روسيا أو في مخاصمة حلفائها في الناتو، على الأقل ليس بعد. لكن كما قلت لك، إن بإمكان السوريين فعلاً خدمة قضيتهم وتحسين وضعها إقليمياً ودولياً لو كانوا على قلب رجل واحد. وليكن معلوماً أن ما يعاني منه السوريون عانى منه الفلسطينيون دهراً وما يزالون”.

فعاد الصديق وقال:
“لربما دعمت أمريكا الفكرة لو توحد السوريون، ومن ضمنهم الأكراد، على إقامة دولة في الشمال السوري. لكني وكغيري من السوريين أتمنى بقاء دولة واحدة إلا أنني أرى أنه شر لا بد منه وهو أفضل الخيارات للحد من المجازر الروسية”.

فأجبته:
“لا أظن أن أمريكا ستدعم إقامة كيان مستقل في أي جزء من سوريا ما لم توافق عليه إسرائيل. ولذلك لابد أن يكون أصحاب هذا الكيان الذي يراد إقامته على استعداد لدفع الثمن، ألا وهو الولاء للصهيونية والتحول إلى كيان عميل أو لنقل كيان متعاون مع الصهاينة. وهذا أمر يتفق عليه الروس والأمريكان رغم ما بينهم من خلافات، وذلك ما شهدناه في حالة الكيان الكردي الذي كانوا على استعداد للسماح له بالتشكل على الحدود مع تركيا لولا تدخل تركيا بقوة للحيلولة دون تشكله”.

ثم فاجأني الصديق حين كتب يقول:
“نستطيع أن نصل إلى تفاهمات مع الصهاينة على أساس عدم وجود حدود جغرافية معهم وبالتالي عدم وجود تهديد حقيقي لهم. أيضا نستطيع أن نستفيد من تجربة حزب العدالة والتنمية عند بداياتها ومفاوضاتها الدولية مع أمريكا واللوبي الصهيوني للسماح لهم في الدخول للمعترك الديمقراطي في تركيا”.

أجبته محذرا:
“هذا كلام خطير. بل يبدو لي أنك لا تعرف ما يكفي عن الصهاينة ومشروعهم. إن الصهيونية يا صديقي أخطبوط، وهي تعمل دون كلل أو ملل على مد أذرعها إلى كل مكان لتهيمن، لا لتهادن أو تصادق. أما حزب العدالة والتنمية فقد ورث وضعاً تركياً سقيماً، وهو يسعى جاهداً منذ أن دخل معترك العمل السياسي لجلب التعافي إلى تركيا مما ابتليت به دهراً طويلاً، ولم يكن قادة هذا الحزب هم من أقام العلاقة مع الصهاينة. وأنا أرى أن كل مشروع سياسي يفترض إمكانية التعايش مع الصهاينة من أجل مستقبل أفضل فأصحابه إما سذج أو مغرضون، وأولهم منظمة التحرير الفلسطينية التي ذبحت القضية الفلسطينية من خلال إبرام اتفاقيات أوسلو مع الكيان الصهيوني”.

عاد الصديق ليقول:
“نحن هنا لا نفترض إمكانية التعايش مع الصهاينة ولكن كما تفضلت ورثنا وضعا سقيما في سوريا كما هو الحال في تركيا سابقا وبالتالي تكمن الأولوية في التعافي. ممكن أن نصل إلى تفاهمات وليس صداقات مع الصهاينة مع الأخذ بعين الاعتبار التجربة التركية معهم. وأنا ضد فكرة عدم التواصل معهم وذلك لأنهم أكبر الفاعلين في المنطقة وكما يقول المثل اجعل عدوك أقرب من صديقك. الصهاينة أمر واقع ولنا في رسول الله قدوة حسنة في التعامل مع الفاعلين في المدينة المنورة بعمل عقد معهم يضمن سلامة المهاجرين والأنصار”.

أجبته قائلا:
“من تعامل معهم الرسول صلى الله عليهم وسلم في المدينة لم يكونوا لا غزاة ولا معتدين، بل كانوا يعيشون بصورة قانونية، حل هو ضيفاً عليهم، وأبرم معهم معاهدة لضمان استمرار الوئام، فلما غدروا به عاقبهم. أما الصهاينة فمشروعهم استعماري توسعي وموجه ضد الأمة ككل وليس ضد فئة منها بعينها. ثم إن الثمن الذي يطلبه الصهاينة من كل من يرغب في التفاهم معهم هو الإقرار بشرعية مشروعهم والقبول باحتلالهم، بل والمساهمة في حماية هذا الاحتلال والمشاركة في ترسيخه، وهذا ما يحصل الآن بينهم وبين بعض الأنظمة في الخليج، وما يحدث بينهم وبين النظام الانقلابي في مصر. أما بالنسبة للحالة التركية، فعلى الرغم مما بين البلدين من علاقات قديمة، إلا أنه من الملاحظ أن أزمة عميقة طرأت على هذه العلاقات في ظل الحكومة الحالية في تركيا بقيادة العدالة والتنمية، وسببها أن الحكام الحاليين، وإن كانوا لا يملكون بعد القدرة على نقض ما أبرم من معاهدات سابقة بين الأتاتوركيين والصهاينة، إلا أنهم أعربوا عن معارضتهم وانتقادهم الشديد لما يمارسه الصهاينة في فلسطين من ظلم وعدوان، ولم يوافقوا على الاستمرار في ممارسة دور السند للصهاينة كما كان يفعل القوميون العلمانيون من قبل”.

كتب الصديق ردا على ذلك:
“من المؤكد أن وضع اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مختلف عن الصهاينة ولكن أحاول أن أناقش الموضوع من زاوية الفاعلين في المنطقة. ألم يعقد النبي صلى الله عليه وسلم هدنة مع الكفار مع أنها كانت غير عادلة؟ من الناحية الاستراتيجية أرى أنه شر لا بد منه مع الأخذ بعين الاعتبار عدم التنازل عن القضايا الرئيسية. أعتقد أن هناك مساحة للتفاوض ودراسة تجارب الآخرين للوصول لتفاهمات تساعدنا على الوصول إلى أهدافنا بإقامة دولة مدنية عادلة ذات مرجعية إسلامية”.

أجبته:
“أظنك تشير إلى صلح الحديبية، وذلك في رأيي هو من الأمور الغيبية، لأن الله أمر به نبيه، ولذلك لم يشاور فيه النبي صلى الله عليه وسلم أحداً، بل نفذه كما أمره الله رغم عدم تقبل الجمع من حوله من الصحابة. ولذلك لا يصح أن يقاس شيء على صلح الحديبية. ومع ذلك فالهدنة مع العدو أمر وارد، وليست المشكلة في إبرام هدنة من حيث المبدأ ولكن المشكلة تكمن عادة في شروطها وفي ظروفها وتبعاتها.

انظر إلى من هادنوا الصهاينة من العرب، لقد تحولوا إلى أدوات بيد المشروع الصهيوني ولم يخدموا أمتهم في شيء، بل خالفوا شعوبهم التي لم يستشيروها والتي لا يعيرون رأيها اهتماماً لما هم فيه من طغيان واستبداد وفساد. أما الهدنة التي تحقن الدماء وتعطي فرصة للناس كي يداووا جراحهم ويلموا شعثهم دون أن تعطي الدنية للعدو في دين ولا في كرامة، فهي ممكنة وقد تكون السبيل الأقوم في ظرف من الظروف. وقد تحدثت عن ذلك بالتفصيل في كتابي عن حركة حماس (حماس فصول لم تكتب) حين ناقشت فكرة الهدنة التي طرحها الشيخ أحمد ياسين رحمه الله وطورها بعض أبناء الحركة شيئاً ما فيما بعد، ومارستها الحركة بشكل رسمي وغير رسمي في عدد كبير من المواقف لحاجتها إليها دون أن تضفي مشروعية على الاحتلال ودون أن تقر له بالسيادة والهيمنة”.

نشر في موقع عربي12 في قسم مقالات الرأي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

7 + 2 =