أسامة رشدي يكتب: حركة طالبان.. لماذا نجحت فيما فشلت فيه القاعدة وداعش؟

أسامة رشدي

طوت الولايات المتحدة الامريكية وحركة طالبان، صفحة دموية طالت أكثر مما ينبغي بتوقيعهما اتفاق سلام تاريخي في الدوحة، وصراع مفتوح امتد منذ السابع من أكتوبر 2001، شارك فيه أيضا أكثر من 40 دولة من أعضاء الناتو وغيرهم من حلفاء واشنطن، وهي أطول حرب في التاريخ الأمريكي، كلفت الولايات المتحدة وفقا للأرقام الرسمية لوزارة الدفاع الامريكية نحو 760 مليار دولار حتى مارس 2019، وقد قدرت دراسة لجامعة براون كلفة الحرب في أفغانستان بأنها أقرب إلى ترليون دولار لوجود مصروفات أخرى مما يشكل استنزافا مستمرا لهم.

هذا بالإضافة لخسائر بشرية أمريكية تخطت 3200 قتيلا، ونحو 20500 جريحا، بالإضافة لمقتل عشرات الآلف من القوات الأفغانية الموالية لأمريكا وعشرات الآلاف آخرين من المدنيين الأفغان، والتي لا تتوفر إحصاءات دقيقة عن أعدادهم.

فحسب بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان، قتل أكثر من 32 ألف مدني أفغاني، وأصيب أكثر من 60 ألف بجروح منذ بدئها في تسجيل الخسائر في صفوف المدنيين الأفغان في عام 2009.

وفي المقابل، استطاعت حركة طالبان، التي تقدر وزارة الدفاع الامريكية عدد مقاتليها بين 20 – 40 ألف مقاتل يحملون السلاح، السيطرة على ما يقارب 70% من الأراضي الأفغانية، في مقابل 350 ألفا من أفراد الجيش وقوات الامن الأفغانية، مدعومين بقوات أمريكية ومن حلف الناتو بلغت 140 ألف جندي مدعومين بأحدث الأسلحة وموارد مالية غير محدودة.

وقد رفضت طالبان طوال هذه السنوات الدخول في أي مفاوضات للسلام أو وقف لإطلاق النار لا يتضمن جدولا زمنيا للانسحاب الكامل للقوات الأجنبية، وهو ما تحقق في الاتفاق الذي وقع 29 فبراير في الدوحة بالانسحاب الكامل لمعظم القوات خلال 120 يوما على أن تستكمل ما تبقى (4500 جنديا) خلال 14 شهرا.

الشعب الأفغاني يعيد التأكيد على تاريخه الطويل في الانتصار في كفاحه ضد الغزاة الأجانب، فموقع أفغانستان الجيوسياسي جعلهم عبر التاريخ معبرا للغزاة، ومطمعا لهم في إطار صراع الأقوياء من حولهم، الذين يستخفون من ببساطهم وضعفهم العسكري والاقتصادي، فأين هم من الإمبراطورية البريطانية التي كانت تسيطر على الهند بجوارهم بحدودها التاريخية، وروسيا القيصرية ومن بعدها روسيا السوفيتية، وأخيرا الولايات المتحدة بما تملكه من إمكانات ضخمة، جعلت قادتها وهم يتخذون قرارهم بالغزو في كامب ديفيد بعد أحداث سبتمبر للاستخفاف بهم حيث تساءل رامسفيلد: كيف سنضرب خيمة بعشرة دولار بصاروخ يتكلف 2 مليون دولار؟!

فعندما قررت بريطانيا اجتياح أفغانستان عام 1838 وخلعت الملك دوست محمد وعينت بدلا منه شوجا شاه والذي كان يوصف بأنه دمية بيد البريطانيين. وبعد أربع سنوات من المقاومة، انتهت بقتل جميع جنودها باستثناء واحد، وهو طبيب تمكن من الهرب، وأعيد بعدها الملك دوست محمد لعرشه.

وقد كررت بريطانيا غزو أفغانستان في 1878 للتصدي لنمو النفوذ الروسي فيها واضطرت أيضا للانسحاب وفي يولية 1880 بعد مقتل المبعوث البريطاني السير لويس كانفاياري ومرافقيه.

وعندما تولى الملك أمان الله خان العرش في فبراير 1919 وكان ممن يرفضون العلاقات الخاصة مع بريطانيا، فواجهت أفغانستان غزوا آخر من جيش هندي بريطاني، هزمه الأفغان وطاردوهم لداخل حدود الهند (باكستان حاليا) فأعلن شرشل فورا اعترافه باستقلال أفغانستان في أغسطس 1919.

وكانت أفغانستان مسرحا هاما للحرب الباردة بين روسيا السوفيتية التي كانت تخطط للوصول للمياه الدافئة في بحر العرب، وبين المعسكر الغربي الأمريكي ومراكزه الحيوية المسيطرة على منابع النفط في الخليج العربي، فعبر الجيش السوفيتي حدود أفغانستان في ديسمبر 1979 لتنصيب وحماية نظام تابع له، في واحدة من أكبر الحروب السوفيتية التي انتهت بهزيمة نكراء دفعت للانسحاب غير المنظم في مايو 1989.

يقول صمويل هينتينجتون في كتابه “صدام الحضارات” إن غزو أفغانستان تحول “لحرب باردة عندما ردت الولايات المتحدة بعنف ونظمت ومولت وسلحت المتمردين الأفغان الذين كانوا يقاومون القوات السوفيتية.

بالنسبة للأمريكيين كانت هزيمة السوفيات إثباتًا لمبد “ريجان” في تشجيع المقاومة المسلحة للأنظمة الشيوعية وإذلالًا أكيدا للسوفيات كذلك الذي عاناه الأمريكيون في فيتنام.

وكانت ايضا هزيمة انتشرت تداعياتها في أنحاء المجتمع السوفيتي ومؤسساته السياسية، وساهمت بدرجة كبيرة في تفكيك الإمبراطورية السوفيتية.

ويضيف: أنه بالنسبة للأمريكيين والغربيين بشكل عام، كانت أفغانستان هي الانتصار الأخير والحاسم. كانت “ووترلو” الحرب الباردة.

أما بالنسبة للذين حاربوا السوفيت فقد كانت الحرب شيئًا آخر. كانت “اول مقاومة ناجحة ضد قوة أجنبية” كما يقول أحد الباحثين الغربيين.

وأشار هينتينجتون أنه في سنة 1994 كان أحد المسئولين الأمريكيين يقول: “الأوراق الثبوتية الخاصة بالمتطوعين الأفغان، سواء الدينية أو السياسية، نظيفة. لقد هزموا إحدى القوتين العظميين في العالم، ويعملون الآن على هزيمة الثانية.”)

فهل هذا هو الذي دفع أمريكا لاتخاذ قرار غزو أفغانستان؟ وهل تحققت نبوءة هذا المسئول الأمريكي بعد أن وحل جيشهم في المستنقع الأفغاني كما حدث للروس من قبل؟

وهذا ما يقودنا للاتفاق الأخير مع حركة طالبان؛ وحسابات الربح والخسارة لكلا الطرفين.

لقد تنبه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو لهذه النقطة ونبه طالبان لعدم التسرع بإعلان النصر.

فهل الاتفاق نصر لطالبان؟

بالتأكيد فقد حقق أهدافهم بالانسحاب الكامل للقوات الأجنبية وفقا لجدول زمني معلن. ولم تقبل بأي وقف لاطلاق النار قبل التوقيع، وحتى الأسبوع السابق للتوقيع رفضوا وصفه بوقف إطلاق النار واكتفوا بوصفه بخفض التصعيد.

ولم تكن حكومة كابل المدعومة من واشنطن طرفا في الاتفاق، باستثناء النص على بدء الحوار الأفغاني – الأفغاني بعد رفع طالبان من القائمة السوداء في الأمم المتحدة، وتبادل السجناء في مباحثات منفصلة، قد تفضي لعودة حركة طالبان مرة أخرى للسلطة وإعادة اسم البلاد لما كان عليه قبل الغزو الأمريكي.

فوفقا لما أكد عليه ممثل طالبان الملا عبد الغني برادر في خطابه في حفل التوقيع، إن الاتفاق هو مع إمارة أفغانستان الإسلامية وكذلك تأكيده على أن هدفهم هو إقامة دولة وفقا للقيم الإسلامية في أفغانستان.

بالتأكيد هناك تغيير مهم في خطاب الحركة اتسم بالنضج الذي كشفت عنه التصريحات التي صدرت عن قادتها، والتي عكست رغبتها ببناء دولة موحدة يطوى خلالها الشعب الأفغاني عقود طويلة من المعاناة لم يهنأ فيها بالسلام والاستقرار، وهذا هو التحدي الكبير.

لقد أحسنت حركة طالبان بالتعهد بعدم استخدام الأراضي الأفغانية في أعمال عدائية ضد أطراف أجنبية، فقد كانت طالبان وأفغانستان ضحية لمن فتحت لهم أبوابها، وتعهدوا ببيعة أميرها ورئيس دولتها، والالتزام بطاعته، ثم قاموا من وراء ظهره بشن الحرب، وتوريط البلاد في مشروع عدائي مخالف لسياسة هذه الدولة، مما كلف ثمنا كبيرا ووضع الأفغان أمام خيارات صعبة بين تمسكهم بمواقفهم المبدئية بالوفاء لمن اعتبروهم ضيوفهم، فتمسكوا بطلب تقديم الأدلة والتعامل معهم بالمنطق القانوني، وهو ما استخفت به الولايات المتحدة التي كانت تتحرك تحت ضغط فظاعة الاعتداء التي تعرضت له وهي أقوى دولة في العالم، فتعاملت مع الأفغان بلغة الإنذارات وطلب الاستسلام، وهو ما رفضوه وقاد إلى هذه المواجهة الطويلة.

لقد انتصرت حركة طالبان في النهاية لأنها حركة تحرر وطني إسلامية، وضعت نصب أعينها هدفا واحدا وهو تحرير بلادهم، وحصرت صراعها على الأراضي الأفغانية، ولم تمارس الإرهاب الدولي كما فعلت القاعدة، ولم تذبح الأسرى أو ترتكب جرائم ضد الإنسانية في حق المدنيين كما فعلت داعش، بل كانت خصما شريفا ونداً صلبا فشلوا في تقسيمه أو رشوته فاستحقوا احترام أعدائهم، الذين اعترفوا بهم ووقعوا معهم المعاهدات.

فتمنياتي بالنجاح في تنفيذ بنود هذا الاتفاق الذي يكمن الشيطان في تفاصيله، وأن ينجح الأفغان جميعا في صنع السلام والاستقرار والتنمية وتوحيد الشعب الأفغاني كما نجحوا في القتال.

ويبقى الشكر موصول للوسيط القطري الذي سيقع على عاتقه استكمال دوره في تذليل ما قد يطرأ من مشاكل، فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

Ξ نشر في موقع عربي 21 بقسم قضايا وآراء

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

24 + = 25