العراق: المحكمة الاتحادية والمنطق «الزبائني»!

▪︎بقلم يحيى الكبيسي •

يبدو أن ثمة إصرارا على تحويل الدولة إلى مهزلة، فرغم استمرار مناقشة قانون المحكمة الاتحادية في مجلس النواب، صوت المجلس نفسه على القراءة الأولى لمشروع قانون لتعديل قانون المحكمة الاتحادية العليا القديم رقم 30 لسنة 2005، وهو المشروع المقدم من رئيس الجمهورية، الذي تم تقديمه إلى مجلس النواب في أيلول/ سبتمبر 2020. وبعيدا عن المشكلة الجوهرية في مشروع القانون هذا، وهي انتهاك قرار بات وملزم للسلطات كافة اتخذته المحكمة الاتحادية رقم (38/ اتحادية/ 2019) الصادر في 21 أيار/ مايو 2019، حيث أفتت بأن الدستور العراقي لم يعط لمجلس القضاء الأعلى صلاحية ترشيح أعضاء المحكمة الاتحادية، وقد استندت في قرارها هذا إلى نص المادة 91/ ثانيا من الدستور التي قصرت صلاحيات هذا المجلس على ترشيح عناوين قضائية محددة على سبيل الحصر، ومن ثم رأت المحكمة الاتحادية أن «ترشيح أعضاء المحكمة الاتحادية العليا أصبح خارج اختصاصات مجلس القضاء الأعلى». ومن ثم فإن مشروع القانون المقترح ضرب بهذا القرار البات والملزم للسلطات كافة، عرض الحائط حين نص التعديل على أن «تتولى المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى بالتنسيق مع مجلس قضاء الإقليم» ترشيح أعضاء المحكمة الاتحادية! وهذا يعني أن مجلس النواب يناقش مشروعي قانونين يتعلقان بالمسألة نفسها، بل ويصوتان عليهما من حيث المبدأ، دون أن يعترض أحد من أعضائه الـ 329 على المهزلة التي يشاركون فيها!
وكالعادة، كان لا بد من إضافة مواد جديدة على مشروع التعديل المقترح، لضمان «مصالح» الفاعلين السياسيين المهيمنين على القرار داخل مجلس النواب، ولتأمين مصالح «حلفائهم» المعنيين بمشروع التعديل، ولا منطق يعلو في العراق على منطق الصفقات، والمصالح الشخصية والعلاقات الزبائنية التي تكمن خلفها! هكذا وجدنا أعضاء مجلس النواب يصوتون على المادة الأولى من القانون التي وردت في مشروع القانون والمتعلقة بترشيح أعضاء المحكمة الاتحادية التي تنتهك قرار المحكمة الاتحادية البات والملزم للسلطات كافة! مع التصويت على مقترحات اللجنة القانونية المتعلقة بهذه المادة، والتي «تضمن» مصالح الفاعلين السياسيين وعلاقاتهم الزبائنية تلك، فقد نص المقترح على أن «يتولى رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس المحكمة الاتحادية ورئيس جهاز الادعاء العام ورئيس جهاز الإشراف القضائي بالتنسيق مع مجلس قضاء الإقليم اختيار رئيس المحكمة ونائبه والأعضاء من القضاة المرشحين»! وكما هو واضح فان المقترح ينسف جوهر مشروع القانون الذي قدمه رئيس الجمهورية لحل الإشكالية التي أثارها قرار المحكمة الاتحادية المتعلق بعدم دستورية المادة 3 من قانون المحكمة الاتحادية رقم 30 لسنة 2005، في محاولة من المجلس للتأسيس للجنة جديدة، يكون فيها لرئيس مجلس القضاء الأعلى اليد الطولى فيها؛ من خلال ضم رئيسي جهاز الادعاء العام والإشراف القضائي المرؤوسين منه إلى جانبه في ترشيح أعضاء المحكمة الاتحادية إلى جانب رئيس المحكمة الاتحادية بمفرده! وثانيا من خلال الحديث عن «اختيار رئيس المحكمة ونائبه والأعضاء» وليس مجرد ترشيح أعضاء المحكمة لإكمال نصابها، ولم ينتبه أحد، كالعادة، إلى التناقض بين أن يكون رئيس المحكمة الاتحادية عضوا في لجنة الترشيح، ثم يتحدثون عن «اختيار» رئيس المحكمة ونائبه والأعضاء، وهو محاولة لتغيير المحكمة بالكامل بما فيها رئيس المحكمة الاتحادية نفسه!

وقد تضمنت مقترحات اللجنة القانونية أيضا تعديل المادة 6 من القانون رقم 30 لسنة 2005 والتي لم تكن موجودة في مشروع القانون من الأصل؛ فقد نصت المادة 6 من القانون على أن «يستمر رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا بالخدمة من دون تحديد حد أعلى للعمر إلا إذا رغب بترك الخدمة» وتقترح اللجنة القانونية تعديلها للتخلص من أعضاء المحكمة الاتحادية بالكامل! أي أننا أمام إعادة لمقترح القانون الذي قُدِم في مجلس النواب في سبتمبر الماضي، وقد كان يقف خلفه رئيس مجلس النواب شخصيا، فقد أراد يشمل قضاة المحكمة الاتحادية بقانون التقاعد الموحد بما يعني «التخلص» من قضاة المحكمة الاتحادية جميعهم، وهو المقترح الذي كرس الصراع بين رئيسي المحكمة الاتحادية من جهة، ورئيس مجلس القضاء الأعلى من جهة ثانية، وكان لكل منهما «حلفاء» في هذا الصراع من بين رؤساء سلطات الدولة! فالمادة تقترح إحالة رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية القائمة جميعهم، وهو ما يعني وجود اصطفاف صريح إلى جانب أحد طرفي الصراع، ولم ينتبه واضعو هذا المقترح إلى أنه مقترح يتناقض مع المادة الأولى من القانون التي أعطت لرئيس المحكمة الاتحادية القائمة صلاحية المشاركة في اختيار أعضاء المحكمة الاتحادية، في حين يقترح هذا المشروع إحالته إلى التقاعد بموجب القانون نفسه!
كل ما تقدم يكشف إرادة فاعلين معروفين داخل مجلس النواب، يقف على رأسهم رئيس مجلس النواب نفسه، يسعون لاستغلال مشروع قانون تعديل قانون المحكمة الاتحادية الذي تقدم به رئيس الجمهورية لحل مشكلة النقص في المحكمة الاتحادية (المحكمة معطلة حاليا بسبب نقص عضوين فيها) من خلال دعم فكرة التخلص من أعضاء المحكمة الاتحادية الحالية جميعا، وفرض سيطرة مجلس القضاء الأعلى على المحكمة الاتحادية، وبالنتيجة «احتكار» المؤسسة القضائية بيد طرف واحد!
كتبنا وتحدثنا مرارا حول معضلات المحكمة الاتحادية القائمة، وحول قراراتها الإشكالية، ولكننا اليوم نعتقد، على مضض، بضرورة الإبقاء على هذه المحكمة، لأنها المصدر الأخير لمحاولة منهجية لاحتكار القرار القضائي في العراق بيد طرف واحد، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر حقيقية تتعلق بالدولة الهشة في الأساس، لاسيما في ظل تسييس القضاء برمته، والذي كان دائما، ولايزال، جزءا من البنية الزبائنية التي تحكم الدولة العراقية!
قلنا في مقال (نشر في «القدس العربي» نيسان 2019) بأن ثمة صراعا لوراثة المحكمة الاتحادية، وأن هذا الصراع ليس مبدئيا ولا يتعلقُ برفض التسييس الذي مارسته المحكمة الاتحادية العليا طويلا، بل بمحاولات يديرها مستثمرون جدد من الطامحين السياسيين، أو الطامحين بدور سياسي، لإعادة صياغة علاقات القوة، وإعادة ترتيب التحالفات، وهو ما يعني، في الواقع، استمرار الإطاحة بمنطق الدولة!

يحيى الكبيسي: كاتب عراقي ▪︎النصدر: القدس العربي

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

مقالات ذات صلة

علق على هذه المادة

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الالتزام بالأداب العامة

23 − = 14