أرى الأمثل واَستحسنه، فأقوم بالأسوأ

الرئيسية ساحة المواقف

ـ يحاول الفرد الجزائري على غرار كل فرد إنساني أن يبدو بأفضل مظهر أمام الناس، فتراه
مزوار محمد سعيد
أرى الأمثل واَستحسنه، فأقوم بالأسوأ
أضيف في 8 يناير 2019 الساعة 19:01

همس نيوز ـ متابعة

يحاول الفرد الجزائري على غرار كل فرد إنساني أن يبدو بأفضل مظهر أمام الناس، فتراه يبحث عن التميّز في لباسه، كلامه وتصرفاته، هذا ليس عيبا على الإطلاق، ومع ذلك تجد الجزائري حريصا على صناعة صورة مخملية، أكثر من حرصه على مصالحه الشخصية الفردية من جهة، ومصالح الأمة الجزائرية من جهة مقابلة، دون اكتراث لما قد يخسره وهو منهمك بكامل طاقاته في إظهار حتى ما لا يملكه من صفات، يعتقد هو دون غيره بأنها ستضمن له مكانة بين أقرانه، أو مجتمعه، وغالبا ما تكون عبارة عن صفات لا تتعدى كونها أشكالاَ من الفانتازيا الشخصية. 

مثل كافة أفراد الإنسانية يصارع الفرد الجزائري ليظهر للعالم وجوده، كافة تصرفاته تقريبا تصبُّ في معنى: أنــا موجود، أنظروا إليَّ فأنا هنا، وهذا ما جعل الثقافات تجد أرضية خصبة على الأرضية-النفسية الجزائرية، فإن ما تمعنّا فيما يقوم به الجزائري خلال يومياته المتعاقبة، فإننا سنجده يتصرف كالمسلمين، يعمل مثل الشيوعيين، يمارس الرياضة مثل سكان أميركا الجنوبية، يقبل على الحياة مثل الأمريكان، يعشق الرومانسية والتقاليد مثل الأوربيين، يستحسن القوة مثل السوفيات، يتذوق الشعر مثل العرب، وينبض قلبه بحب الأرض كالأمازيغ تماما. 

هذه التوليفة الهجينة من الرغبات، لطالما أسّست لمجموعة من التناقضات، حملها الجزائري بين طيات حياته اليومية، لهذا فإن الكثير من ردود أفعال الجزائري البسيط هي غير مفهومة، فهي تعبّر عن الزمان والمكان التي تنشأ فيهما، وبمجرّد مرور الوقت، أو تغيّر الشروط والظروف، قد يتغيّر المزاج، وتتغيّر المبادئ بشكل مفاجئ، ليتحوّل الفرد الجزائري من المسلم الحريص على دينه مثلا، إلى علماني راغب في تجسيد الدولة المدنية فعلا وقولا، لهذا من الصعب جدا التنبؤ بما سيصدر عن الجزائري على كافة الأصعدة، وفي كل مواقفه بشكل شامل. 

انعكست شخصية الجزائري المتقلبة هذه على لسانه مثلا، فإنه يستعمل اللساني العامي عند نزوله الأسواق، واللسان العربي عندما يزور المسجد، واللسان الفرنسي عندما يدخل مؤسسة حكومية ما، واللسان الانجليزي بعد مشاهدته لأحد أفلام هوليود، بينما تجده يخلط بين كل ما سبق عندما يجلس على كرسيّ احدى المقاهي يتبادل الحديث مع صديقه: فما هذه الحالات سوى انعكاسا لصراع ينمو بداخل الروح الجزائرية، تلك التي تفتقد للكثير من التوجيه، والذي يصطلح عليه في علم الاجتماع بـ: الفاعلية الثقافية. 

هناك رأي يرى العكس تماما، يرى في هذه الحال المتقلبة التي تلف الشخصية الجزائرية البسيطة تنوعا ثقافيا هائلا، إذ هي ميزة تجعل الفرد الجزائري مؤهلا لتقمص كافة الثقافات عبر المرور بكل القوالب الاجتماعية واللغوية، وحتى الروحية الخالصة منها، لهذا فإن التربة الثقافية الجزائرية غنية بالمظاهر الثقافية على اختلافها، بل وأحيانا يصل هذا الاختلاف إلى درجة التضاد؛ والدليل الأبرز لهؤلاء، هو ما حدث إبان الحرب التحريرية ضد فرنسا، فجبهة التحرير الوطنية، مثلما هو عليه حال جيش التحرير الوطني آنذاك، قد جَمَعَا كافة الأطياف السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية، فقد اضم إلى الجبهة وقتئذ كل من الشيوعي، الإسلامي، الليبرالي وحتى الجزائريين الذين كانوا بلا انتماء سياسي أو خلفية ثقافية، الكل انشغل في خندق واحد بمهمة تحرير الوطن، وباختصار: إنّ الجزائريين على اختلاف توجهاتهم يصبحون جزائريين فقط حينما تحين ساعة الجد،فليس الفرد الجزائري هو الفرد الوحيد في هذا العالم من يحمل حمولات متعددة الخلفيات الثقافية، فما علينا سوى توجيه التأمل شرقا أو غربا لنجد الكثير من الأمثلة التي لها الخصائص عينها، لعل أبرز الأمثلة هناك الهند في الشرق، وكندا في الغرب. 

 

 

قيم هذه المادة |
0,0





التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الإلتزام بالأداب العامة
 
0
تعليقات الزوار   |   
0
ردود



رأيك مهم جدا
* الإسم الكامل
عنوان التعليق
* نص التعليق






للأعلى