تدافع الشر !
دبي ـ الساعة الآن


الرئيسية ساحة المواقف تدافع الشر !

ليس هذا وحسب، بل رجال الأمن أصبحوا يشعرون وكأنهم في حرب غير معلنة في كل موقع يطأونه سواء في إطار العمل أو خارجه، وسواء من طرف المجرمين المعلومين أو "الهواة" أو مجرمي الصدفة.. !
عبد الله بوكابوس
أضيف في 3 دجنبر 2017 الساعة 00:02 تدافع الشر !

* عبد الله بوكابوس

مثل النقش على الحجر، أو على المعدن، أو الخشب والجبس وغير ذلك، مما يترك بصمة إبداع وأثر حضارة، فضلا عن رقي في التفكير والتأمل والخطاب الصامت الدال الممتد، فإن العقل يحتاج بلا ريب إلى نقش خاص يبنى به الإنسان ويشيد به الوطن في ظل ما لا يختلف حوله الفرقاء (كل الفرقاء إن نشدوا الموضوعية والصدق والمصلحة العامة المشتركة في إطار النظم المسطرة) من هذا التلوث الذي بات يضايقنا جميعا في المدرسة والمؤسسة الخدماتية والفضاء العام والبيئة التي تهم الجميع ويحيى بها وفيها الجميع.
ولا شك أن رجالات الوطن الأفذاذ في المعرفة المختلفة، سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية بكل تقاطعاتها، تطلعوا فينا – نحن الأبناء والأحفاد – إلى الجدية في إرث ما أوصوا وما تركوا من آثار علمية أو عملية وإلى حفظ الأمانة وحسن تقديرها، بل وفي تطويرها وإثرائها بالاجتهاد اللازم والعض على أصولها وثوابتها ليحيى الوطن ويتطور ويواكب ركب التقدم والحضارة إقليميا ودوليا.
فلا شك أن الأولين فينا توخوا تدافعا إيجابيا بيننا لتتحقق النهضة الشاملة المشرفة في التعليم والصحة والقضاء والإدارة، في الثقافة والرياضة والتواصل والتعاور...
بيد أن الذي نحياه اليوم ونعيشه مؤسف ومؤلم بجميع المقاييس، إذ بدا أن التدافع بات يرادف كل معاني السوء بل الخزي، حيث باتت الغلبة للغة العدوان، والقتل العمد منه و "المرضي" ! وبات المرء يخشى على بنيه ذكورا كانوا أو إناثا، بالطرقات أو حتى داخل الفصول الدراسية، وأضحى رجال ونساء التعليم لا يأمنون عودتهم سالمين إلى بيوتهم بعد انتهاء حصصهم الدراسية بسلام، وانتهى بهم مسارهم العلمي إلى التوجس من كل يوم عمل بين "أيدي" تلامذتهم !
ليس هذا وحسب، بل رجال الأمن أصبحوا يشعرون وكأنهم في حرب غير معلنة في كل موقع يطأونه سواء في إطار العمل أو خارجه، وسواء من طرف المجرمين المعلومين أو "الهواة" أو مجرمي الصدفة.. !
لقد بلغ حظ الشر في الانتشار و "الانتصار" حدا لم يجد له عامة الناس من معنى إلا إدراجه ضمن أبرز علامات الساعة  (!) ونسوا أن الشر في الوطن حين يستهان بمستصغره فإنه كالسم يسري سريعا في الجسد..
وتدافع الشر هذا لم يقتصر فقط على عينة خاصة أو فئة عمرية بعينها، بل ذهب حد الشيوع أو يكاد، وأضحى يمثل ضيقا ملازماً للنفوس، حتى لكأننا نعيش العَمَى حقيقة لا استعارة.. وحين تكون الاستعارة حقيقة، فذاك هو الهول بعينه، على حد تعبير الكاتب والروائي اللبناني إلياس خوري.
وإحقاقا للحق، فإن المديرية العامة للأمن الوطني لدينا تشتغل بجد وبأداء مشرف إلى حد كبير في إطار الدور المنوط بها، تستحق معه كل التنويه وكل التشجيع بلا شك أو ريب، لكن الخلل – بصراحة –  يظل قائما لدى معظم البقية من الفاعلين والمهتمين، بدءاً من الأسرة والمدرسة والمجالس المحلية المنتخبة والمؤسسات الموازية والمجتمع المدني وغيرها، فلماذا التقصير ؟ وهل هو تأجيل، أم استخفاف بالواجب والمسؤولية..؟ !
إن الأحداث الشاذة التي حصلت وتعاقبت مؤخرا ببلادنا، وبمناطق مختلفة، تدعو إلى الأسف وإلى الحيرة حقيقة، إذ هي خليط بين العقوق والتحرش والتهجم  والعدوان والانتقام و..التدافع المميت، كل هذا نتيجة حب الذات، كأنها رغبة ما في صناعة الفضيحة، لكن الأفظع يظل هذا التغاضي الغريب المعطل للحزم والصرامة في مواجهة الاختلال.
إن صناعة الأمن قضية تهم بلا ريب الأمة برمتها، ولا يمكن فصلها عن القضايا الوطنية الكبرى التي تسكن بال الجميع، ثم إن الظواهر المُسيئة المَعيشة بيننا اليوم هي من مظاهر التراجع والتخلف والبؤس، ولا تشرف أيا منها أحدا منا، صغيرا كان أم كبيرا، راضيا كان أم ساخطا.
إن الانكباب بدءا من اللحظة على إشاعة الأمن، يستدعي بالضرورة محو الجهل انطلاقا من البيت والأسرة إلى المدرسة إلى المحيط إلى المؤسسات العمومية وشبه العمومية والخاصة، ويتطلب محاربة الفساد في شموليته، ويقتضي وجوبا تفعيل القانون بالزجر وبالصرامة الضروريين على الكل دون استثناء أبدا.
إن المغرب المنشود، إذا استثنينا الوجه السياسي على مستوى معين واضح والذي نراه مشرفا للغاية إلى حد التأثير في الوجدان كالذي عايناه بالأمس - الأربعاء 29 نونبر/ تشرين الثاني 2017 بأبيدجان - على وجه الخصوص، يظل ناقصا في ظل واقع الحكامة القانونية والإدارية الحالية التي ينبغي أن تتحرك وتتحمل المسؤولية الوطنية في المعاناة التي يشتكيها الطفل، والمرأة، والشيخ، والشاب، والكهل، والمريض، وذي الحاجة، والطالب، والأستاذ، والموظف، والأجير...، فيكفينا تنظيرا جافا أجوفا، نحن في حاجة إلى أفعال ناطقة صامدة، وإلى مبادرات حية سارية، وإلى قرارات شجاعة بناءة، ولقد قال الفنان الساخر شارلي شابلن: "لطالما آمنت أن التربية بالقدوة لا بالتنظيـر".
أيها السادة، نحن بحاجة إلى بصمة حضارة يتعاضد في صنعها الساسة بكل أطيافهم، والأوصياء على الإدارة بكل تجلياتها وصورها وحساسياتها، والقائمون على الشأن الثقافي والجمعوي بأوجهه المختلفة في تلاحم وتعاون ومودة وصفاء...

قيم هذه المادة |
5,0





محتويات قد تعجبك :

التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الإلتزام بالأداب العامة
 
0
تعليقات الزوار   |   
0
ردود



رأيك مهم جدا
* الإسم الكامل
عنوان التعليق
* نص التعليق






للأعلى