التنمية، مسار و أساس اقتصادي

الرئيسية ساحة المواقف

ـ النقاش الدائر حاليا حول طبيعة النموذج التنموي الأكثر نجاعة وملائمة لخصوصيات السياق
حسن الدمان
التنمية، مسار و أساس اقتصادي
أضيف في 11 أكتوبر 2018 الساعة 19:23

همس نيوز ـ متابعة

النقاش الدائر حاليا حول طبيعة النموذج التنموي الأكثر نجاعة وملائمة لخصوصيات السياق المغربي تصورا وتنزيلا، يدور خارج إطار التفكير والتحليل الطبيعي. باحثون في القانون العام والعلوم السياسية والسياسيون هم من يقود النقاشات ويطرحون الأسئلة ويبسطون لعناصر التشخيص وتصور البنية التنموية الكفيلة بتصحيح الأخطاء وتدارك التأخر الحاصل وتدليل الاختلالات في حين ان التنمية أصلها مقدرات وإمكانات اقتصادية والاشكالية الأساس متعلقة بإنتاج الثروة، ثم بعد ذلك العمل على الجانب الاجتماعي ودمقرطة التوزيع والبعد الايكولوجي لضمان الاستمرارية.

 

الاقتصادي الفرنسي François Perroux (1903-1987) هو أكثر من دقق في مفهوم "التنمية" واعتبرها «توليفة بين تغيرات ذهنية واجتماعية لساكنة ما، تجعلها قادرة على الزيادة بشكل تراكمي في ناتجها الحقيقي الإجمالي" وأضاف انها أيضا "مجموعة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والديموغرافية المرافقة للنمو الاقتصادي والتي تضمن استمراريته وبشكل عام تحسن ظروف العيش". يتضح جيدا من عناصر التعريف هذه ان التنمية أساسها خلق ثروة اقتصادية ثم العمل على توزيعها بعدالة على شكل تذفقات مالية مباشرة لغير المساهمين في الإنتاج (المتقاعدين، الطلبة، الارامل، المرضى ...) او على شكل خدمات وبنيات ومرافق عمومية يستفيد منها الجميع. بعد ذلك وهو التحدي الجديد في ظل استنفاد الموارد الطبيعية والتلوث المتزايد للبيئة، وجب الاشتغال على شروط ضمان استمرارية الإنتاج وتمكين الأجيال اللاحقة من تحقيق تنميتها. للأسف، المعرفة الاقتصادية بالمغرب "فرونكفونية" بالأساس وتصطدم بالتالي بحاجز اللغة خاصة على مستوى المفاهيم لقيادة النقاش والتفكير الجماعي حول النموذج التنموي.

 

من جهة أخرى، كان من الاحرى التحدث عن مسار تنموي بدل "النموذج" كون التنمية مسار ممتد في الزمن ينتقل بالتراب (Territoire) من منظومة اقتصادية هشة وضعيفة الانتاج الى وضع أحسن، عبر دينامية اقتصادية ومؤسساتية وحكاماتية تفضي الى تغيرات بنيوية تعزز قدرة منظومة الفاعلين على استدامة خلق الثروة. من هذا المنطلق وعلى اعتبار التنمية هي إشكالية توفير مداخيل أولا وقبلها خلق قيم مضافة، نعرض لاهم تيارات التفكير ومقاربات تحليل إشكاليات التنمية:

 

* المقاربة المؤسساتية Institutionnalisme: مبنية بالأساس على كون التنمية الترابية نتاج طبيعي لمؤسسات ترابية قوية ومتناغمة على مستوى الفعل، لها "تمثل اجتماعي" (Représentation sociale) مشترك للتراب. للإشارة فقط، يمكن للمؤسسة ان تكون نظامية (حكومة، مصلحة خارجية لوزارة ما، وكالة تجارية لبنك، جامعة، جماعة ترابية...) او غير نظامية (اعراف، عادات، ثقافة معينة في النقد، الاسرة، مجموعات افتراضية...).

 

* المقاربة التنظيماتية Régulationnisme: تقارب إشكالية التنمية من جهة العلاقة التي تربط بين المؤسسات الترابية. مستوى التنمية بتراب ما رهين بمدى ضبط علاقات التعاون/التنافس بين الفاعلين الترابيين و بمستوى ضبط توترات تداخل الاختصاصات والمصالح. خير مثال للتدليل على أهمية الجانب التنظيماتي هو أن ثقل التنفيذ والإنجاز على مستوى الجماعات الترابية يرجع في جزء مقدر منه لتباعد التمثلات و الاستراتيجيات و مستوى الفعالية و استقلالية القرار بين مؤسسات التراب الواحد. اقصد بالخصوص بين المجالس المنتخبة من جهة و سلطة

 

المراقبة و المصالح المالية و المصالح الخارجية للوزارات و المجتمع المدني و الفاعل الاقتصادي و النخب السياسية من جهة أخرى.

 

* المقاربة التطورية Evolutionnisme: حيث يتم تحليل الإشكالات التنموية باعتبارها سيرورة (Processus) زمنية يأخذ فيها الواقع التنموي لتراب ما ،في زمن ما، موقعين في نفس الوقت، موقع المدخل Input و موقع المخرج Output وله بالتالي دورين، دور المحفز والمحرك لواقع جديد و دور المتأثر بواقع و معطيات سابقة في الزمن. من هذا المنطلق، مؤكد أن كل قرار وفعل تنموي راهن سيساهم في تشكيل وبناء أو تفسير وضعية تنموية مستقبلية، وبالمنطق المقلوب فمعطيات استشرافية مستقبلية ستؤثر لامحالة في نجاعة وفعالية وجدوى كل قرار او بشكل عام كل سياسة تنموية حالية. على سبيل المثال، انجاز مربد جديد لن يكون حلا نهائيا ان اخذنا بعين الاعتبار تزايد حظيرة السيارات، سيكون فقط تأجيلا للاختناق ان لم توازيه عمليات أخرى كالاشتغال على ثقافة استعمال السيارات وتطوير خدمة النقل العمومي وإلزام أصحاب المرافق الخاصة (مقاهي، مطاعم، عمارات، مدارس خاصة...) بإنجاز مرابد خاصة.

 

 

مكنت تيارات التفكير هاته وأخرى مرتبطة على الخصوص بالعلوم الاقتصادية من بناء الإطار النظري لنماذج تنموية ميدانية عديدة. منذ النصف الثاني من القرن الماضي، بدأ تركيز جهد مراكز ومختبرات ومجموعات البحث العلمي (الاقتصاد، الجغرافية، علم الاجتماع، العلوم السياسية، إعداد التراب ...) على تصور نماذج إنتاجية قوية فعالة داخل أنظمة ترابية تضمن التوزيع العادل للمداخيل وتقدم ما يكفي من الموارد والفرص لمضاعفة الإنتاج وما يكفي من ضمانات لاستدامة النظام الإنتاجي والحد من تهديدات استنفاذ موارده. تشترك اغلب التصورات وعلى الخصوص "الناجحة" على مستوى التنزيل في دمج قيمة الابتكار(Innovation) ووقع التكتل (Agglomération)والمقاربة النظمية (Approche systèmique)للتراب في المعادلة الإنتاجية للتراب.

قيم هذه المادة |
0,0





التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الإلتزام بالأداب العامة
 
0
تعليقات الزوار   |   
0
ردود



رأيك مهم جدا
* الإسم الكامل
عنوان التعليق
* نص التعليق






للأعلى