المدن العربية بين الاتصال والانفصال

الرئيسية ساحة المواقف

الإنسان والبيئة والمكان والحركة باتت تحديات أربعة تتفاقم كل يوم وتتعقد محركاتها وتتنامى تضاداتها، بين عالم شعبي متصل حد إلغاء الخصوصية وآخر منفصل في مدنية قسرية تجعل الآخر غريبا حد التجافي
صباح ناهي
المدن العربية بين الاتصال والانفصال
أضيف في 9 يوليوز 2019 الساعة 18:21

صباح ناهي

المدن القديمة تأريخ من الشهامة والمروءة وعزة النفس والتكافل المجتمعي، كما هي حكايات لا تنقطع عن مأس مجتمعية صنعها تاريخ الناس والسلطة.

المدن العتيقة ليست متساوية الأضلاع أومتناظرة الأشكال، كأن رسمها معماريون أفذاذ بالمسطرة والفرجال وخلفت دوائر ومحيطات ومقتربات أشرف على تنسيق مبانيها مهندسون مبدعون وبناها مدنيون وأثثها فنانون.
المدن العتيقة أعقد من ذلك بكثير في امتداداتها، وتزاحمها وتنويعاتها وضيق شوارعها لكنها بسعة تاريخها الطويل، فهي تستطيل حينا وتعرض أحيانا تمشي حيث حياة الأفراد والمجموعات، تسير في طرقاتها نحو امتداد الأنهر وسعة البحار وتناغم الأودية،
لا تعرف التنميط والاعتدال في الشكل والمساحات ولا تبتدئ من حيث انتهى الآخرون، كما تنحو المدن الجديدة المنتظمة في شوارعها وبيوتاتها ومولاتها، ومسارحها وعروضها السينمائية، وتقنيناتها التي خضعت لخرائط دكتاتورية أسيادها المعماريين، ولبت حاجات مهندسيها المدنيين.
في المدن العتيقة تشم رائحة الطابوق والنورة “الجص” وتعبق رائحة الأخشاب المنبعثة من أبوابها ومزاليجها وشناشيلها المزخرفة وحيطانها التي امتلأت بخربشات الغاضبين والحانقين، أو مدونات الحالمين الذين ينسجون من أحلامهم تواريخ على جدرانها القديمة.
لم تألف المدن العتيقة، شوارعا واسعة ولم تعتد على الأنفاق المنتظمة بالدورات الكبيرة ، وسكانها يكادون يعرفون بعضهم البعض، ولا توجد خصوصية مطلقة لحياة الناس الذين تنصهر قيمهم في الحارات ويتحولون رويدا رويدا إلى أسرة كبيرة يتنادى البعض بأسماء الأمهات ويفخر الأحفاد بأنهم أبناء سيدات صنعن تواريخ الشوارع التي ضمتهم، ولا ينظر الآخر فيها على أنه وحيد في دوامة مدينة ائتلفت عقودا لتنسج ذكريات وذاكرة شعبية تواصلت في نسجها شواهد المدينة وحكايات أهلها الذين كبروا وهم يسمعون أصوات الجيران التي تطغى على سكون الحارات الشعبية وتتخطى جدرانها المتلاصقة.
المدن القديمة تأريخ من الشهامة والمروءة وعزة النفس والتكافل المجتمعي، كما هي حكايات لا تنقطع عن مأس مجتمعية صنعها تاريخ الناس والسلطة، وأفراح اشترك بها العقل الجمعي الذي بذل مجهودا لا ينقطع ليدون إنسانية أفراد قرروا أو فرض عليهم العيش المشترك، بعكس المدن الحديثة فإنها لا تعرف أسماء الجيران الأقربين فكيف بالأبعدين؟ ولا تبذل جهدا لتعلم مسوغات البكاء الذي يصدر من جارك ولا يهمك كثيرا موت الآخر أو مقدم مولود جديد، إنها حياة ممتحنة بالفردية المطلقة وبنزوع الاستقلالية المفروضة بسلطة عمران تلك المدن والعصرنة وتماثل الناس في الحل الفردي.
الإنسان والبيئة والمكان والحركة باتت تحديات أربعة تتفاقم كل يوم وتتعقد محركاتها وتتنامى تضاداتها، بين عالم شعبي متصل حد إلغاء الخصوصية وآخر منفصل في مدنية قسرية تجعل الآخر غريبا حد التجافي.
في المدن القديمة لا يبالي الناس بخصوصية الآخرين، نعم يحترمونها لكنهم يعلمون حتما ماذا يعمل الجار وماذا يأكل وكيف ينام وماهي مدونات أوجاع أقرانهم وبواعث مسراتهم.

قيم هذه المادة |
0,0





التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الإلتزام بالأداب العامة
 
0
تعليقات الزوار   |   
0
ردود



رأيك مهم جدا
* الإسم الكامل
عنوان التعليق
* نص التعليق






للأعلى