المثقف المأجور وصاحب العمامة

الرئيسية ساحة المواقف

أرى تحت الرماد وميض جمر … ويوشك أن يكون له ضرام~فإن النار بالعودين تذكى … وإن الحرب مبدؤها كلام~فإن لم يطفها عقلاء قوم … يكون وقودها جثث وهام
أوس حسن
المثقف المأجور وصاحب العمامة
أضيف في 27 يونيو 2019 الساعة 12:18

أوس حسن

يمر العراق الآن بأضعف مرحلة عرفها عبر تاريخه القديم والحديث، هذه المرحلة هي نتاج انهيار الدولة العراقية ومؤسساتها بعد الاحتلال الأمريكي وسقوط الطاغية، ومن نتاج هذه المرحلة أيضًا عودة العراق إلى التمسك بالهويات الفرعية والطائفية، والتقسيم الجيوسياسي، والمحاصصة المناطقية، لكن الأكثر خطورة من هذا كله كان بروز المثقف المؤسساتي المرتبط بهذه الهويات، والذي جعل الأرض خصبة لزراعة بذور الشقاق والانقسام في الجسد العراقي، الذي أنهكته الجراح والحروب. المثقف الذي أتحدث عنه هنا هو ذلك الذي أرقته عقدة السلطة والمنصب، فتراه أصبح مثل أي سياسي أو لص أو رجل دين، يتسلح بالخديعة، والكذب، والتضليل، ومحاولة امتلاك الأفكار، وإلغاء الآخر.

قبل فترة قصيرة أثارت تصريحات النائبة الشيوعية هيفاء الأمين عاصفة من الاستهجان والجدل المتضارب، بين معارض ومؤيد، وخصوصًا في مواقع التواصل الاجتماعي والميديا، حينما وصفت أهل الجنوب بالتخلف قياسًا إلى بغداد وكردستان، لكنها عادت فاعتذرت من الشعب العراقي لأنها لم تقصد الإساءة أو التجريح حتمًا.

لكن المؤلم في هذه القضية برمتها، هو بروز بعض المثقفين الذين يعتاشون على الأزمات، وهذا النوع من المثقفين يوهمك دائمًا أن شيئًا ما كبيرًا سيحدث، وأن هناك مؤامرة تمس وحدة البلد، وأن الحرب وشيكة لا محالة.

هنا تستحضرني عدة أبيات للشاعر الأموي نصر بن سيار الكناني، يصف فيها الحرب الإعلامية والنفسية قبل وقوع الحرب الفعلية:

أرى تحت الرماد وميض جمر … ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تذكى … وإن الحرب مبدؤها كلام
فإن لم يطفها عقلاء قوم … يكون وقودها جثث وهام

 دور المثقف المأجور «صانع الأزمات» واضح جدًّا في تأجيج الصراع. مثقفو الفيس بوك قاموا بالفتنة الكبرى، بينما دور المثقف الحقيقي الشجاع، هو تسليط الضوء على العيوب، ومحاولة الإصلاح بالنقد والنقد الذاتي، متجردًا حتى من هويته وعقائده. اللعب على الوتر العاطفي كان خطيرًا جدًّا بالنسبة لبعض المثقفين وينذر بكارثة في العراق، قد لا نتفق مع بعض تصريحات هيفاء الأمين وآرائها السياسية، اختلاف الفكر وحرية الرأي نقطتان مشروعتان للمواطن العراقي ضمن نطاق الدستور، ما لم تمس حريات الآخرين وعقائدهم، لكن ما قالته الأمين لا يمس الهوية ولا العقيدة الجنوبية الشيعية.

الحقيقة العلمية التي ربما على الجميع قبولها والتسليم بها، هي أن الجنوب العراقي فعلًا متأخر من ناحية العمران والخدمات، والصحة والتعليم، إضافة إلى حقوق المرأة، وفي الوقت نفسه تحكم الشعب الجنوبي عصابة من التجار والمافيات تسيطر على العقول والثروات، وطبيعة الحياة الاجتماعية من خلال تعزيز إيمانهم بالخرافات والغيبيات وتحويل المبدأ الحسيني السامي، من فكر كوني متوهج، إلى عقدة نقص سايكولوجية دونية، ما حدث مؤخرًا أمام الحزب الشيوعي مؤسف جدًّا، ولا يتحمل وزره المتظاهرون من القطيع الغاضب المغلوب على أمره، والمغلوب على دينه ودنياه، بقدر ما يتحمل وزره المثقف المأجور، وصاحب العمامة «الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر»، وقد يتبادل صاحب العمامة والمثقف المأجور الأدوار في حالة الحروب والنزاعات الكبيرة.

هناك دوافع مكبوتة ورغبات ومصالح تحرك الكثير من المثقفين؛ لذلك فالأغلبية تحجم عن قول الحقيقة أو تحليل الظاهرة تحليلًا علميًّا ومنطقيًّا. أغلب المثقفين والأدباء الذين قالوا الحق أو صرحوا به علنًا قتلوا برصاص غادر وجبان. علينا أن نبحث عن موطن الخلل، الثغرة، والضعف الذي ينهشنا قبل الشتيمة والصراخ وافتعال الحروب الكبرى والهويات المقدسة، لكن لماذا نذهب بعيدًا خارج الخارطة العراقية؟

هل يمكنك أن تجري مقارنة بين محافظتي الناصرية والسليمانية، دون أن تقع في فخ التناقض عزيزي المثقف المدني؟

قيم هذه المادة |
0,0





التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الإلتزام بالأداب العامة
 
0
تعليقات الزوار   |   
0
ردود



رأيك مهم جدا
* الإسم الكامل
عنوان التعليق
* نص التعليق






للأعلى