تونس والأمراض الأيديولوجية

الرئيسية ساحة المواقف

الأيديولوجيات التي فقدت مصداقيتها في البلدان التي رعتها واحتضنتها عقودا طويلة، وجدت في تونس الأرض الخصبة لكي تنتعش.~الأيديولوجيات إن هي تكاثرت وتعددت، تصبح مثل الأعشاب الطفيلية التي تفسد بهجة وجمال البستان..
حسونة المصباحي
تونس والأمراض الأيديولوجية
أضيف في 26 يونيو 2019 الساعة 21:35

حسونة المصباحي

الأيديولوجيات التي فقدت مصداقيتها في البلدان التي رعتها واحتضنتها عقودا طويلة، وجدت في تونس الأرض الخصبة لكي تنتعش.

الأيديولوجيات إن هي تكاثرت وتعددت، تصبح مثل الأعشاب الطفيلية التي تفسد بهجة وجمال البستان..

وغالبا ما تنتشر الأيديولوجيات في المجتمعات التي تفتقر إلى وضوح الرؤية السياسية وسطحية البرامج الاقتصادية والاجتماعية، لتكون مهلكة وقاتلة لأنها غالبا ما تؤدي إلى نزاعات وصراعات مدمّرة وقاتلة بين المتمسّكين بها. كما أنها غالبا ما تولّد الضغائن والأحقاد لتصرف أبناء الوطن الواحد عن البناء، وعن الوحدة والتضامن في ما بينهم، ليتشتتوا إلى فرق وأحزاب تتطاحن وتتقاتل.

وتونس أصبحت خلال العقد الذي يوشك على نهايته مرتعا للأيديولوجيات الفتّاكة. وأكبر دليل على ذلك هو أن هذا البلد الصغير، في حجمه الجغرافي، وفي عدد سكانه، أصبح فضاء ومرتعا خصبا لأزيد من مئتي حزب، وللعشرات من التنظيمات، وللمئات من الجمعيات. وجميع هذه الأحزاب، وهذه التنظيمات، وهذه الجمعيات حتى وإن أوهمت أنها تختلف عن بعضها البعض، إلاّ أنها تشترك في إشعال المزيد من الفتن والصراعات بين التونسيين، وتمزيق أوصال البلاد، وتغذية كل ما يزيد في محنها، ويعجّل بانهيارها تماما مثلما حدث لبلدان أفسدتها ودمّرتها الأيديولوجيات، فما عادت قادرة على النهوض بنفسها..

ويكثر الحديث في تونس راهنا عن الحرية. وجميع الأحزاب والتنظيمات والجمعيات، تفاخر بأن المكسب الكبير الذي أفضت إليه ثورة “الياسمين” هي أن التونسيين أصبحوا قادرين بعد عقود طويلة من الخوف، والقمع، والترهيب، على أن يصدحوا بآرائهم في الشؤون العامة والخاصة، من دون أن يخشوا شيئا. كما أنهم أصبحوا يتمتعون بحقهم في التظاهر والاحتجاج للمطالبة بحقوقهم، أو لتحسين أوضاعهم من دون أن يواجهوا هراوات الشرطة، ومن دون أن يجدوا أنفسهم في نفس اللحظة التي يفتحون فيها أفواههم في أقبية السجون.

والحقيقة أن هذه الحرية التي يشيدون بها في محافلهم، ومن أعلى منابرهم، هي في الحقيقة تلك الحرية “السلبية” التي تحدث عنها هايدغر. حرية الفوضى، والتخريب، ونشر الأكاذيب، والأوهام، ومغالطة الشعب، وطعنه في الظهر، وتجريده من قواه، ومن قيمه ليصبح عدوا لنفسه، ولوطنه. حرية الجعجعة، والصراخ، وتبادل الشتائم والاتهامات، والهروب من المسؤولية، وتدبير الدسائس والمؤامرات، وبيع الضمير والذمم في وضح النهار، وفتح الأبواب واسعة أمام المجرمين والمخرّبين والخونة ليفعلوا ما يشاؤون وما يريدون من دون حسيب ولا رقيب.. والغريب في الأمر أن الأيديولوجيات التي فقدت مصداقيتها في البلدان التي رعتها واحتضنتها وعاشت عقودا طويلة على وقعها، وجدت في تونس الأرض الخصبة لكي تنتعش، مُستعيدة حيويتها، ونشاطها، وقدرتها على الضرر بمصالح البلاد والعباد.

فالشيوعية التي انهارت في ما كان يسمّى بالاتحاد السوفييتي، وفي البلدان التي كانت تدور في فلكه، وأثبتت مضارّها ومساوئها في بلدان مثل كوبا، كوريا الشمالية، عادت إلى الحياة بفضل تنظيمات صغيرة تمجّد الطبقة العاملة من دون أن يكون لها أنصار من هذه الطبقة، وتشيد بماركس من دون أن تكون عارفة بفكره وفلسفته. بل إن زعماءها لم يكلفوا أنفسهم حتى بقراءة صفحات قليلة من كتابه الشهير “رأس المال”.

وللدكتاتور الشيوعي الألباني أنور خوجة، الذي أحاط بلاده بسور من الحديد على مدى ستة عقود خشية أن تتسرّب إليها “الشرور الرأسمالية”، والذي لا يزال شعبه يعاني إلى حد هذه الساعة من تبعات سياسته، أنصار في تونس. وهؤلاء يتصارعون بين بعضهم البعض لأن كل واحد منهم يرى أنه الأجدر بتمثيل وتجسيد الماركسية – اللينينية. وللزعيم المصري الراحل جمال عبدالناصر، مريدون في تونس لا يزالون يحلمون بتوحيد العرب من المحيط إلى الخليج، ولا يزالون يطلقون تلك الشعارات الجوفاء التي أدت إلى هزيمة حرب 67 المشينة.

ولحزب البعث في صيغته العراقية أو السورية، أتباع يكررون خطابا قديما لم يعد له أي صدى، ولا أي تأثير في الواقع السياسي الراهن. وأما التنظيمات التي تستند إلى الدين فملل ونحل يصعب حصرها لكثرة فتاويها التي تتهاطل بغزارة على رؤوس التونسيين لتزيدهم حزنا على أوضاعهم، ويأسا من الخروج من الأنفاق المظلمة المحبوسين فيها..

لقد أثبت التاريخ أن المدافعين عن الأيديولوجيات الطوباوية هم في الحقيقة كائنات منفصلة عن الواقع، وعن الحياة. ورغم أنهم يصطدمون بحقائق كثيرة تثبت أخطاءهم، إلاّ أنهم يواصلون عملهم الدؤوب في توليد المزيد من أساليب الخداع، والتضليل، وإلهاء الناس عن مشاغلهم الجوهرية ليكونوا تحت سيطرتهم. وهم يرفضون دائما الاعتراف بالفشل، مصرّين على أن “النصر النهائي” سوف يتحقق رغم “الداء والأعداء”.

تونس اليوم هي ضحية المتمسكين بالأيديولوجيات الطوباوية المدمّرة. ومادام هؤلاء هم المتحكمون في خيوط اللعبة السياسية، فإنها ستظل مريضة ومهددة بمخاطر جسيمة في مستقبلها القريب والبعيد.

قيم هذه المادة |
0,0





التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الإلتزام بالأداب العامة
 
0
تعليقات الزوار   |   
0
ردود



رأيك مهم جدا
* الإسم الكامل
عنوان التعليق
* نص التعليق






للأعلى