تأمُّلات جزائرية

الرئيسية ساحة المواقف

~يحتكم البشر معظم فترات حياتهم للعدالة الشكلية، تلك التي تستند على مفاهيم عقلية مقبولة، بينما تجد لنفسها منفذا للتجسيد على الأرض، وهذا ما جعل سنة 1945 أحد الفرنسيين في مقال له تحت عنوان: «فـي العدالة» يتبنى مقولة أرسطو القائلة: «إعطاء لكل ذي حقٍّ حقه»، على أنها رمز للعدالة حينئذ
مزوار محمد سعيد
تأمُّلات جزائرية
أضيف في 11 يونيو 2019 الساعة 09:54

مزوار محمد سعيد

يحتكم البشر معظم فترات حياتهم للعدالة الشكلية، تلك التي تستند على مفاهيم عقلية مقبولة، بينما تجد لنفسها منفذا للتجسيد على الأرض، وهذا ما جعل سنة 1945 أحد الفرنسيين في مقال له تحت عنوان: «فـي العدالة» يتبنى مقولة أرسطو القائلة: «إعطاء لكل ذي حقٍّ حقه»، على أنها رمز للعدالة حينئذ.

تقوم العدالة بالأساس على جملة من شروط الاستحقاق، تلك التي تربط صاحب الحق بحقه، وهو مثار خلاف، بحيث أنَّ الذاتية والعاطفة غالبا ما تحول دون ربط الفرد بحصته من طرف المطبِّق لهذه القاعدة؛ ومن هذا المنطلق يتدخَّل العُرف في الموضوع برمته، لاعبا دور المرجِّح، وهو سلوك أو مبدأ يستحسنه الجمهور، فيلتزم به، وبمرور الوقت يتحوَّل إلى قانون، بواسطة الصرامة التي يكتسبها من خلال المعتقدين به، وقد يُمزج أحيانا كثيرة بالمعتقدات الدينية، آخذا مشروعيته من البقاء ذا الجذور الضاربة في القِدَم؛ وعبر هذا كلِّه، تحاول الفضيلة الشروع في الظهور من جانبها هي أيضا، فهي حسب مونتسكيو «الأخذ بتطبيق القانون بصيغته الايجابية، فإن هي شكَّلت ظلما فإنَّها الوحيدة القادرة على منح غفرانها عبر تجاوزه».

الحق، القانون، الاستحقاق والعدالة هي كلُّها مفردات شغَّلت الكثير من العقول المفكِّرة، ولا تزال تفعل مفعولها فينا كبشر حتى يومنا هذا، خاصة عندما تُربط بمصير الإنسان والجدوى من وجوده، لهذا فإنَّها تولِّد دياليكتيكا (جدلا) شديد الاحتدام بين مقرات البحث ومراكز الاستقصاء.

هذا الدياليكتيك الذي ظهر قبل هيغل وماركس بكثير، ظهر منذ البدايات الأولى لهذه العملية، حيث سنجد سقراط وهو يحاور السفسطائيين كأوّل مظهر للحوار الجدلي «الدياليكتيكي»، وبعده تأصَّل مع تلميذه أفلاطون في الجدل الصاعد والجدل النازل، ومع هذا فإنَّ الجدل مع هيغل أو حتى ماركس قد رسم أبعادًا أخرى، فما هي؟
الجدل عند هيغل

لقد رأى فريدريش هيغل أنَّ العالَم يدور وفق صراع، ذاك الذي يغذي التناقض، بحيث أنَّ الأشياء والأفكار محكومة بهذه الآلية، إمَّا بذاتها ككيانات مستقلة، أو مع كيانات أخرى هي في ارتباط معها، وعلى هذا الأساس فالجدل عند هيغل يقوم على ولادة الفكرة في المخيال المثالي للروح البشرية كخطوة أولى، ثمَّ تتجلى هذه الفكرة في الطبيعة وبعدها تستقرُّ في العقل البشري كخطوة نهائية، وبين هذه الخطوات يظهر الانتقال من المطلق إلى النسبي، فالعودة إلى المطلق ثانية، وفق تناقض وتباين في المراحل والأفكار المستصاغة في شكل الطبيعة، وهذا التناقض يدور بين المثالية المطلقة للروح، مع النسبية المادية للطبيعة للوهلة الأولى، وفي جانب آخر يبدو التناقض واضحا بين العقل البشري القائم على التجريد، وكلُّ مجسَّدٍ طبيعيا، فيكوِّن بهذه الطريقة عالَمًا يتغذى من الصراع المتأرجح بين النسبي والمطلق، مشكلا جدلية تُلزم الإنسان فهمها والقبول بها على أنَّها موجودة ولابد أن يتقبلها مهما كانت الأسباب، الظروف والنتائج.
الجدل (الديالكتيك) عند كارل ماركس

جدلية ماركس هي مادية في الأساس، وعلى هذا المبدأ أخد الجدل عند ماركس صيغة متناقضة بين البنية الفوقية والبنية التحتية، بحيث أنَّ لكلِّ الأمور تنازعا، وهذا التنازع لن يزول سوى بذوبان الدول، المجتمعات وانصهار الثقافات المختلفة في قالب واحد سمَّاه ماركس بـ: الاشتراكية «اقتصاديا» والشيوعية-العالمية «سياسيا-ثقافيا».

تتحرك جدلية ماركس بواسطة التناقض، فالدمار لأيّة أرضية هي المرحلة الأولى، ثم تجميع الأجزاء فالتكتل وجعل العناصر كلها في اطار قابل للتنازع، هو ما يُفضي إلى أنَّ الاستبعاد هو آخر مراحل العملية الجدلية عند المواد والاشياء، فجدلية ماركس هي تنازع لا يظهر بشكل مباشر، ولكنه قائم، وهو موجود في تجاذب عالَميْن مختلفيْن: عالم الأشياء وعالم الأفكار، وهما يغذيان العملية بأسرها بطريقة غير مفهومة عقليا بينما وجودها هو من مبادئ التفكير على الطريقة الماركسية، وفي هذا الصدد يبدو واضحا في العالَم الاشتراكي، ذاك النزاع الذي يدور بين هيئة التخطيط، وهم «صفوة» المجتمع وخبراءه، وهيئة العمل الذي تتشارك المهام وتُكامِلها بطريقة منظمة.

العدالة بين السادة والعبيد، بين الرأسماليين والعمال، هي الشغل الشاغل الذي حرَّك ديالكتيك هيغل وماركس معا، وعلى الرغم من مقولة ماركس الشهيرة جدا، والقائلة بـ: أنَّ المنطق (الإنسان) مع هيغل كان يمشي على رأسه، في كتابه «رأس المال»، إلاَّ أنَّ اختلاف الجدليتيْن بين هيغل وماركس قد نتج عنهما دمارا مروعا من جهة، وكشف عما يحرِّك الإنسان من جهات أخرى خلال مواقف كثيرة من محطات حياته.

 

قيم هذه المادة |
0,0





التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الإلتزام بالأداب العامة
 
0
تعليقات الزوار   |   
0
ردود



رأيك مهم جدا
* الإسم الكامل
عنوان التعليق
* نص التعليق






للأعلى