الجُّوطُونْ بَين التّحفِيز والتّخرمِيزْ!!

الرئيسية ساحة المواقف

ـ  لطالما كان التّجّار في وِديَان التّهميش يَهيمون، إلى أن مَنّ الله عليهم بحكومات
الطيب آيت أباه
الجُّوطُونْ بَين التّحفِيز والتّخرمِيزْ!!
أضيف في 13 مارس 2019 الساعة 15:39

همس نيوز ـ متابعة

 لطالما كان التّجّار في وِديَان التّهميش يَهيمون، إلى أن مَنّ الله عليهم بحكومات مَطلية بألوان "الشّيمِي كُولور"، سَنّت من القوانين المنفلتة من عِقال البرلمان، ما بَعث الرّوح مجدّدا في قطاعهم، فكان للأحداث نفس مآل ضارّة إذا نَفعت، حينما اجتمع النّاس على كلمة سَواء!!

  تبعا لذلك، وفي إطار التّفاعلات المُوازية، باتَ مفيدا للتّجّار أن يستوعبوا قيمة التّكوينات المَرصودة، وأن يَستشعروا صَدى أبواب الحوارات المفتوحة، حتّى يَتهيّأوا عبر تحليلها وتقييمها بما يكفي من الذّكاء الجماعي والتّنظيم الأنسب للدّفاع عن مواقعهم من داخل المؤسّسات، عوض الإكتفاء بالشّارع لوحده، بعد أن تَحوّل هذا الفضاء تدريجيّا من وسيلة للضّغط واستعراض للصّعوبات، إلى غايةٍ أو مُتنفّس يُراد فيه التّقليص من منسوب الأزمات أو الحدّ من تفاقمها. هذا من جهة.

  أمّا من جهة أخرى، وتحديدا جانب العلاقات والمعاملات التّجاريّة مع الشّركاء، فلَعلّ مِن عظيم مِحن تجّار العقاقير وموادّ البناء على سبيل المثال، وأشدّ الألغاز حيرة لدَيهم على مستوى فكّ طلاميسه العجيبة وتدبيره مُحاسباتيّا، ما يُسمّى ب"الجّوطُون"، أو ذلك القُرص البّلاستيكي الصّغير الحجم، بَاهِظِ التّكلفة، الذي تضَعُه شركات الصّباغة في قلب "الطّارّو"، ليستفيدَ منه "الصّبّاغ"، وذلك شأنٌ تحفيزيّ مُوجّه للحِرفيّ، لا أحدَ يَحسدُه عليه بالنّظر إلى ظاهره، ولكنّه مضمونا يُكلّفُ التّجّار مبالغ ماليّة تفوق هوامش الأرباح الهزيلة، المخصّصة لهم أو المفروضة عليهم في ظلّ المنافسة المطروحة على أشُدّها، بالمقارنة مع رقم المعاملات الذي يتحقّق بفعل الإقبال المتزايد بلا جَدوى، ما يضع التّجّار في وضعيّة حرجة جدّ متقدّمة بالنّظر إلى ضرورة أدائهم مُسبقا التّعويضات عن الأقراص للحرفيّين من أموالهم الخاصّة، قبل استخلاصها من الشّركات فيما بعد وفق سَقف مُعيّن سلفاً، دون طائل وبلا مقابل. هاته التّعويضات التي تتَعدّى ما يمكن جَنيُه من أرباح في عمليّة تجاريّة فاشلة، تَجري أطوارُها في محلّاتهم المَشمولة بشتّى أشكال المصاريف والمَتبوعة بواجبات والتزامات مُختلفة، يصيرون فيها كوُسطاء مُجبرين على لعب دَوْر الأبناك، وتَحمُّل كافّة التّبعات الماليّة لصالح الشّركات والحرفيّين بدون أيّ فائدة تُذكر. بَل الأنكى مِن ذلك، أنّ مصالح مديريّة الضرائب بِرَصدها لكلّ صغيرة وكبيرة، تكون هاته العمليّات الجّوطونيّة الفاشلة بمثابة فِخاخٍ مَنصوبة، يَضطرّ للخلاص منها بجلده، كلّ تاجر وَقع في شِراكِها، أن يَستغنيَ عَن جُزء مِن كيانه!!

  طبعا وفي سياق زيادة الخير خيرين، ينبغي للتّاجر كلّما تَعيّن عليه الحديث، أو الإدلاء برأي في مسألة تخصّ قطاع التّجارة، أو التّفاوض أو منحُ تفويضه لجهةٍ ما، أو التّرافع، أو المطالبة بحقّ من حقوقه، أن يستحضر علاقاته المصيريّة بزبنائه، المُؤطَّرَة بميثاق الأصل التّجاري. لا أن يَعزل نفسه طواعيّة أو مُكرها عن مصدر وجوده في السّوق، بأن يكتفي كما هوّ رائجٌ بوَضع تمثيليّته في زجاجة ضيّقة، لا تخرج عن نطاق "الحانوت"، وتُضعف بالتّالي وَضعيّته الإعتباريّة ضمن جماعته من أهل الحِرفة. بل عليه أن يَحرص كُلّ الحِرص على توسيع قاعدة زبنائه خِدمةً وتمثيلا، استقواءً بهم، وتمهيدا لتكثّل قطاعي مُنسجم ودَامج، يُعَمّم المصالح، ويَصُوغها بشكل شُمولي، بَدَل التّمادي في زخرفة تمثال الشّمع الوهمي بأنانيّة مُفرطة في رقعة جغرافيّة مَوضوعةٍ أصلا تحت أضواء المنافسة الحارقة!!

 

  بالنّهاية يبقى للتّاجر كامل الإختيار بين الإنصياع لخُزعبلاتٍ، أثبَتَت الوقائع حربائيّة مُقترفيها، وبين الإنضباط لفروض المناعة ضمن الجماعة النّاجية، وليس بالشّيء الخَارق للعادة أن يَفصِل المرءُ بين الأبيض والأسود، إلّا إذا كان مِمّن يستطيبون المقام بالمناطق الرّمادية، أو حيثما تختلط الألوان، وتتشابك المصالح، كما هوّ حال بُؤرة "تخَرمِيزْ الجّوطُونْ" أو مرتع الأقراص الذي يخرج من "مُولِدِه" التّاجر بلا حُمّص!!

قيم هذه المادة |
0,0





التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الإلتزام بالأداب العامة
 
0
تعليقات الزوار   |   
0
ردود



رأيك مهم جدا
* الإسم الكامل
عنوان التعليق
* نص التعليق






للأعلى