زكاة الفطرة.. تجسيد لروحية العطاء والشعور بالآخر

الرئيسية مقالات إسلامية

زكاة الفطرة.. تجسيد لروحية العطاء والشعور بالآخر
أضيف في 12 يونيو 2018 الساعة 13:13

همس نيوز


 زكاة الفطرة تشريع مالي له صفة تعبّدية واجتماعية، وهي تساهم في بناء علاقات الودّ والسلام بين أفراد المجتمع الإسلامي، وتعمل على مكافحة الفقر والحاجة، وتمنح شهر رمضان وعيده المبارك صفة خاصّة، وهي صفة التعاطف، والتعاون، والسرور الذي يملأ قلوب المحتاجين والفقراء.

 قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة/ 103).
التطبيق الحياتي: لا يأخذ الإسلام شيئاً منك إلا ويعطيك بدله أضعافاً مضاعفة، فأخذ الصدقات يقابله (تطهير) من الأنانية والبخل والاستئثار والقسوة، و(تزكية) في كل معاني النماء المالي والنفسي والروحي والاجتماعي.

 وإنّما سُمِّيت الصدقة صدقةً؛ لأنّها تعبير صادق وحي عن الإيمان الحقيقي. فكما أراد المشرِّع أن تحنّ في الصوم على الفقير والضعيف والمسكين فترحمهم، أراك في الصدقات (الزكاة) كذلك.
يقول الإمام الصادق (ع): "إنّ الله عزّ وجلّ فرضَ للفُقراءِ في أموال الأغنياء ممّا يكتفون به، ولو علم الله أنّ الذي فرض لهم لم يكفهم لزادهم، فإنّما يؤتى الفقراء فما أوتوا من منعِ مَن منعهم حقوقهم، لا من الفريضة".

 ويقول الإمام الرضا (ع): "إنّ علّة الزكاة من أجل قوت الفقراء، وتحصين أموال الأغنياء، لأنّ الله عزّ وجلّ كلف أهل الصحة القيام بشأن أهل الزمانة (المرض) والبلوى، كما قال تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) (آل عمران/ 186)، في أموالكم: إخراج الزكاة، وفي أنفسكم: توطين الأنفس على الصبر".
هنا في الزكاة، كما هناك في الصوم، يريد المشرِّع الإسلامي أن يُعلِّمك ويُساعدك على تجسيد روحيّة العطاء والشعور بالآخر، والتخلِّي عن التقوقع في دائرة الذات الضيِّقة الغارقة في أنانيّتها.
أنت قد تسعد بالإنفاق على نفسك، لكن عطاءك للآخر يوسِّع دائرة مشاعرك فتسعد أكثر بإسعادك غيرك: سعادتك بإعانته وسعادته برحمتك، يجعل عالم السعادة أرحب، والشعور بها أعمق، ولذّة العطاء لا يشعر بها أن يستشعرها إلا أصحاب العطاء، لذلك كانت اليد العُليا خيرٌ من اليد السّفلي.
 
- خارطة توزيع الزكاة:


 قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة/ 60).
التطبيق الحياتي: هؤلاء جميعاً أصحاب حاجات، والإسلام لا يترك محتاجاً من غير أن يسدّ حاجته، هذا هو معنى (التكافل الإجتماعي)، فأنتَ في الإسلام لستَ في كفالة الدولة فقط، بل في كفالة المجتمع أيضاً.
يقول الإمام علي (ع): "أمّا وجه الصدقات، فإنّما هي لأقوامٍ ليس لهم في الإمارة نصيب، ولا في العمارة حظّ، ولا في التجارة مال، ولا في الإجازة معرفة وقدرة، ففرض الله في أموال الأغنياء ما يقوتهم ويقوِّم به أودهم".
هؤلاء لا يجدون فرصة العيش الكريم، ولكي ينقذهم الإسلام من (الاقتراض) و(سؤال) الناس، والعيش في أزمة الدِّين أو التسوّل، قنّن لهم هذا التشريع، وكأنّ كلمته فيه: هؤلاء إخوانكم في الدِّين، فكيف يهنأ لكم عيش، وإخوانكم يعانون الضائقة؟
قال تعالى في صفة المؤمنين: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) (المؤمنون/ 4).
التطبيق الحياتي: (فاعلون) هنا تُقابل (قائمون) في الصلاة، ففعل الزكاة يعني أن تعيش الإحساس بالآخر، وتشعر بالمسؤولية عنه، وأنّ عطاءك له عبادة، ورعايتك للمحرومين قُربة، وزكاتك للمستحقِّين ترجمة للبُعد الإنساني في شخصيتك، بل تطبيق عملي لصلاتك.
الفاعلون للزكاة محرِّكون للمال في قضاء حاجات المحتاجين، وإذا كان المعنى الخاص للزكاة هو ما تقدّم، فإنّ المعنى العام لها يشمل كل قدرة غير مالية يمكنك أن تغطِّي أو تؤمِّن بها حاجات المجتمع الأخرى، فلكلِّ شيء في حياة المسلم زكاة:
 

 زكاة قدرته الإنصاف، وزكاة جماله العفاف، وزكاة صحّته السعي في طاعة الله، وزكاة علمه بذله لمستحقِّه، وزكاة شجاعته الجهاد في سبيل الله، وزكاة قوّته خدمة الضعفاء.
وقد جعل الإسلام لهذه الفريضة أحكاماً، وتشريعاً يحقق أهدافها، وينمّي آثارها، نذكر أهمّها:


1- تجب زكاة الفطرة على العاقل البالغ من الأغنياء، والمقصود بالغني هو المالك لقوت سنته فعلاً، أو كان قادراً على تحصيله بالعمل.
2- يجب على البالغ العاقل الغني أن يخرج هذه الزكاة عن نفسه وعن من يعول، كالزوجة والأبناء وغيرهم.
3- وقت اخراج زكاة الفطرة هو ليلة العيد، ويمتد وقت أدائها إلى زوال يوم العيد.
4- مقدار هذه الزكاة هو ثلاثة كيلوات تقريباً من الطعام المألوف في البلد عن كلّ فرد، ويجوز أن يدفع المكلّف ثمنها بالنقود.

5- تحرم فطرة غير الهاشمي على الهاشمي.


الجهات التي تصرف فيها زكاة الفطرة:

 
أ- الفقراء: والفقير هو مَن لا يملك قوت سنته، سواء بصورة أشياء متوفّرة فعلاً، أم بالكسب والعمل.
ب- المساكين: والمساكين هم أسوأ حالاً من الفقراء من حيث القدرة المالية.
ج- الغارمون: والغارم هو المدين الذي تراكمت عليه الديون، ولا يستطيع الوفاء بها، فيعطى من هذه الزكاة لوفاء دينه.
د- في سبيل الله: وهو كل عمل من أعمال البرّ والإحسان، كبناء المساجد والمدارس ونشر العلوم وبناء المستشفيات، والملاجئ، وأمثالها.
هـ- العاملون عليها: وهم الأشخاص الذين يعملون على جمع وتوزيع الزكاة.
و- المؤلّفة قلوبهم: وهم ضِعاف الإيمان من المسلمين الذين يُخشى عليهم أن يُغيِّروا دينهم، فمثل هؤلاء يُعطون من الزكاة لتثبيتهم.
وكذلك الكفّار الذين يؤمل جلبهم إلى الإسلام، أو الاستعانة بهم، فكل هؤلاء يعطون من هذه الزكاة، ويسمّون بالمؤلّفة قلوبهم.
ز- ابن السبيل: وهو المسافر الذي نفذ ما لديه من مال، فإنّه يُعطى من الزكاة ما يكفيه لاعادته إلى وطنه.
ح- في الرِّقاب: وهم العبيد المكاتبون – الذين اتّفقوا مع أسيادهم على التحرير لقاء مبلغٍ معيّن – فإنّهم يعطون من الزكاة لتحريرهم، وفكّ رقابهم، تنفيذاً لمنهج الإسلام الرامي لتحرير الإنسان، وتخليصه من العبودية.

 

 

البلاغ

قيم هذه المادة |
0,0





التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الإلتزام بالأداب العامة
 
0
تعليقات الزوار   |   
0
ردود



رأيك مهم جدا
* الإسم الكامل
عنوان التعليق
* نص التعليق






للأعلى