من وحي رسالة ''ناصر الزفزافي'' الأخيرة

الرئيسية في العمق

من وحي رسالة ''ناصر الزفزافي'' الأخيرة
أضيف في 26 يونيو 2018 الساعة 22:03

همس نيوز ــ جمال المحدالي


  شكل التفاعل النضالي القوي لريفيي(ات) الشتات مع الحراك الشعبي بالريف منذ بدايته أحد أبرز آيات بركة هذا الحراك بقدرما كشف عن عمق الروابط التي تربط بين الريفيين والريفيات مهما باعدت بينهم المسافات وشتتهم الجغرافيات والسياسات. وتلك الروابط تفصح عن الهوية الريفية المتنوعة والمتجذرة في أعماق الماضي وطيات الحاضر والمنفتحة على الآتي.

  ومثلما كانت إنطلاقة الحراك تلقيائية إنطلق تضامن ريفيو(ات)الشتات مع إخوتهم وأخواتهم بالداخل بشكل تلقائي، لينتظم لاحقا في مجموعة من التنسيقات على امتداد مختلف الدول الأوروبية. وقد أسفر ذلك التضامن عن تنظيم وقفات ومسيرات تاريخية بأهم المدن الأوروبية بجانب إيصال قضية حراك الريف ومعتقليه إلى البرلمانات الأوروبية والهيئات الحقوقية والسياسية.

  لكن، وبموازاة ذلك، برزت على سطح حراك الدياسبورا الواقعي والإفتراضي مظاهر سلبية بين بعض النشطاء، وستزداد تلك المظاهر استفحالا في الأشهر الأخيرة، مع أن الوضع كان يستلزم نفيضها تماما. ويتعلق الأمر بآفة الإحتراب الداخلي والتخوين وانزلاق النقاش إلى مستويات لا أخلاقية ولا نضالية تستهدف التنكيل والتشهير بأعراض الناس وشرفهم. وهذا المسار المؤلم أصبح ينخر ضمير كل ريفي(ة) حر(ة) ويشوش على حراك الريف وقضية معتقليه، ويُنفر ريفيي(ات) الشتات من الإنخراط، كل بحسب إمكاناته وقناعته، في ملحمة الحراك والعمل على إطلاق سراح معتقليه السياسيين.

  ورغم النداءات والتوسلات المتكررة من المعتقلين وعائلاتهم وعقلاء الداخل والخارج لوقف ذلك التطاحن المجاني والذي لا مبرر له ولا يخدم غير أعداء الحراك، فإن تلك المظاهر المرضية التي سكنت حراك الدياسبورا قد إستفحلت وتجاوزت كل الحدود. في الوقت الذي تزداد فيه معاناة المعتقلين المشتتين على مختلف السجون وعائلاتهم وأهلهم بالريف، وفي الوقت الذي لا زال الرأي العام يتابع أطوار جلسات المحاكمة الماراطونية لمعتقلي حراك الريف المتواجدين بسجن عكاشة بقلق فضيع.
 

 وفي نفس المسار برز أيضا خطاب يدعو إلى رفع سقف المطالب وتجاوز الملف المطلبي لحراك الريف. وإذا ما كان من يدعو إلى رفع سقف المطالب يتذرع بعدم إستجابة المخزن للملف المطلبي للحراك وقيامه، بدل ذلك، بشن حملة إعتقالات إنتقامية وعشوائية في صفوف أهل الريف وقمع أي شكل إحتجاجي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل رفع سقف المطالب سيجعل المخزن يتراجع ويسرع في إطلاق سراح المعتقلين ويستجيب للمطالب العالية السقف؟ علما أن المخزن لم يجد ما يبرر به إعتقاله ومحاكمته للمعتقلين غير إتهامهم بالإنفصال والتآمر على الدولة والدعم الخارجي. وقد بذل المحزن كل ما في وسعه لفبركة تلك التهم التي نفاها نشطاء الحراك عن أنفسهم قبل الإعتقال وخلاله وعبر جلسات المحاكمات الصورية. فكيف ندعم المعتقلين برفع مطالب تُثبت التهم الموجهة إليهم؟ ولماذا رفع سقف المطالب في هذه الظروف بالذات؟ ولماذا لم تّقترح، مثلا، مطالب ذات السقف العالي وذات الطابع السياسي في الشهور الأولى للحراك، أثناء الدعوة لمناقشة مشروع الملف المطلبي؟

  وإذا ما كان المخزن قد رفض التفاوض مع نشطاء الحراك حول ملفهم المطلبي، ورفض تحقيق المطالب المتضمنة في ذلك الملف فتلك مشكلته هو وليست مشكلة الحراك، خاصة وأن تلك المطالب بسيطة وعادلة ومشروعة ولم يتنكر لها حتى خصوم الحراك وأعداؤه. في حين أن الوضع كان سيكون مختلفا وموقف الحراك كان سيكون غير مريح لو أنه رفع مطالب بسقف عال. كما أن عدم إستجابة الدولة لمطالب الحراك العادلة وإعتقال نشطاء الحراك بسبب إحتجاجاتهم السلمية من أجل تحقيق تلك المطالب يربك المخزن ويمأزقه أمام الهيئات الحقوقية الوطنية والدولية رغم قوته وتغوُّله بتسخير كل مؤسسات وأجهزة الدولة الأمنية والقضائية والسجنية والإعلامية والدينية وغيرها للإجهاز على حراك الريف.

  وفي ذات السياق، هناك من ذهب حد إنتقاد مسيرة “لا للإنفصال” يوم 18 ماي 2017 وإعتبارها خطأ تاريخيا واستراتيجيا وما إلى ذلك. وهذا رأي يهم أصحابه طبعا لكن لا بأس من التأكيد بأن تلك المسيرة كانت جوابا ذكيا على بلاغ قادة أحزاب الأغلبية الحكومية المخون للحراك تمهيدا لطحن الريف. كما أنها منسجمة مع فلسفة الحراك ومطالبه، وفوق ذلك فإن تلك المسيرة كانت أصلا ممنوعة وتم تطويق الطرق المفضية إلى الحسيمة بالحواجز الأمنية المتعددة التشكيلات، والزحف الشعبي الكاسح من كل بلدات وقرى الريف ومن مختلف مناطق المغرب هو الذي كسر الطوق الذي كان مضروبا على تلك المسيرة بالحسيمة.

  وقبل ذلك كان المخزن قد قرر عسكرة الريف بدل إلغاء ظهير العسكرة بشكل صريح. والأكيد أن ذلك الإنزال الأمني المكثف والرهيب وغير المشهود لم يكن نزهة مخزنية صيفية ولا مناورة تدريبة، بل إن ذلك الإنزال بعشرات الآلاف من القوات المتعددة التشكيلات والآليات وتركها عرضة للحرارة والعراء والإرهاق كان إعدادا لطحن الريف وأهله. وكم كان المخزن بتلهف لأدنى فرصة تتاح له للإقدام على ما يتقن فعله. ولو صدر أدنى تهور من نشطاء الحراك لكانت الكارثة التي ما بعدها كارثة. وبالتالي فإن مسيرة “لا للإنفصال” قد تكون هي التي أنقذت الريف من مجزرة محققة، وهي تعكس الذكاء السياسي للحراك وليس العكس. وقد مكن ضبط النفس والإلتزام بالسلمية من تجنب الكوار ث بالريف. وما لا يجب نسيانه هو أن الدولة التي تقمع شعبها بدون سبب وتخونه متى طالب بمطالب بسيطة وتتهمه بالفوضى والتآمر الخارجي حين يحتج سلميا وحضاريا هي دولة قادرة على طحن ذلك الشعب متى ارتكب أدنى خطوة غير محسوبة العواقب.

 ويبقى أن المسألة ليست مسألة رفع سقف المطالب أو خفظها وإنما هي مسألة حراك الريف السلمي الذي أعاد رفع مطالب رُفعت منذ ستين سنة مع تطعيمها بأخرى جديدة ولدها ما تراكم خلال تلك العقود من تهميش وتهجير ونهب، إنها مسألة معتقلين يعدون بالمائات اعتقلوا على خلفية إحتجاجهم لتحقيق تلك المطالب.

 إن الملف المطلبي لحراك الريف هو وثيقة مطلبية إتفق عليها الحراكيون ديموقراطيا وجماهيريا وبعد صراع مرير مع المخزن. وهو يشكل ما يمكن إعتباره الحد الأدنى المتوافق عليه بين مختلف أطياف الحراك على إعتبار أن الحراك هو حراك شعبي تعايشت وتتعايش داخله مختلف التيارات والتوجهات سواء هنا بالريف أو بالدياسبورا. ولعل فضل عدم تضمن الملف المطلبي لمطالب سياسية يكمن في تجنب الزج بالحراك في متاهات الصراعات والتقاطبات السياسية والإيديولوجية التي حين تحتدم لا تعود تسمح بالتمييز بين ما هو أساسي وما هو ثانوي ولا بين ما هو استراتيجي وما هو تاكتيكي. وفِي ظل غياب نضج الوعي السياسي وسيادة الولاء المذهبي الأعمى فإن المطلب السياسي غالبا ما يكون عامل تفرقة لا عامل تجميع، في حين إن رفع الحراك لمطالب حقوقية وإقتصادية وإجتماعية وثقافية، تجعل كل من تمسه تلك المطالب ويتبناها يجد نفسه داخل الحراك بغض النظر عن توجهاته وقناعاته. وهذه هي سياسة الحراك، إنها سياسة تستعيد المعنى الدقيق والبسيط لمفهوم السياسة من حيث هي إنهمام بالشأن العام وفِي أهم مفاصله وأدق تفاصيله وإنخراط في تدبيره وإن من موقع النضال والإحتجاج السلميين. وقد يكون الإختلاف حول السقف السياسي هو من أبرز الأسباب الأساسية لتراجع حركة 20 فبراير 2011. وهذا لا يعني مصادرة حق أي كان في أن يكون له توجه سياسي ويدافع عنه بشكل اخلاقي وديموقراطي.

  والقول بأن الحراك الريفي لم يرفع مطالب سياسية لا يسقط الطابع السياسي عن معتقلي الحراك. إذ إن تعامل المخزن القمعي والإنتقامي مع حراك الريف هو الذي يجعل من معتقليه معتقلين سياسيين. فالإختطافات والإعتقالات التعسفية وتعنيف المعتقلبن وتلفيق تهم سياسية وجنائية باطلة لهم ومن ثم محاكمتهم محاكمة صورية. كل هذا يجعل معتقلي حراك الريف معتقلين سياسيين. ومهازل جلسات محاكمة معتقلي حراك الريف بمحكمة الإستئناف بالدار البيضاء خير شاهد على ذلك، فقد انكشف أثناء تلك الجلسات المستور وتبين أن المعتقلين يحاكمون على تدويناتهم وصورهم وتعليقاتهم على صفحاتهم الفايسبوكية. ومحاكمة بهذه الفصائحبة هي محاكمة سياسية بإمتياز والمعتقلون المحاكمون بتلك الطريقة هم معتقلون سياسيون بلا منازل.

 وعلى ضوء كل ما سبق، ما الغريب في رسالة ناصر الزفزافي الأخيرة والقصيرة؟ ما المزعج في أن يصرح ناصر الزفزافي بأن الملف المطلبي هو الذي يمثله وأن من لديه رؤية أخرى فليحتفظ بها لنفسه؟ ما الغريب أن يتذمر ناصر من التخوين المستشري بين نشطاء الحراك بالديسبورا وأن يقول بمرارة أن ذلك يؤرقه وينهكه وهو الدي ما أنهكته الزنزانة الإنفرادية ولا ضروب التعذيب والمعناة التي تعرض ويتعرض لها منذ أزيد من سنة؟ وما وجه التغليط والمغالطة في هذا القول؟ فرغم أن المعتقلين يوجدون بين جدران السجن لكنهم ليسوا غافلين عما يحدث خارج الجدران التي تحاصرهم، إنهم يتابعون وبشكل مفصل كل ما يحدث بالريف والوطن والدياسبورا، وهم في تواصل مستمر مع دفاعهم ومع عائلاتهم عبر الزيارات والمكالمات الهاتفية ومن خلال تواجدهم بقاعة المحاكمة. ولا يليق بتاتا أن يظن أي كان أن العائلات تغالط معتقليها، علما أن ثقافة الحراك وقيمه تتنافى بالمطلق مع التغليط والتحامل. وقد برهن المعتقلون خلال استجوابهم أثناء محاكمتهم وخلال رسائلهم الشفوية أو الكتابية أن المعطيات التي تصلهم هي معطيات دقيقة وموضوعية تسعفهم على فهم ما يحدث خارج السجن والتفاعل معه بالشكل المناسب واللائق. وحتى إن سلمنا بأنه حدث أن تم تغليظهم فإن نباهتهم وذكاءهم ومبادئهم لن تدعهم يقعوا في مستنقع التغليط.

  في إعتقادي المتواضع إن رسالة ناصر الأخيرة تتناغم مع المستجدات الطيبة التي أخذت تطرأ في الأونة الأخيرة على مستوى العلاقة بين نشطاء حراك الدياسبورا والمتمثلة في تعهد كل الأطراف بوضع حد لخطاب التخوين والتشهير والتركيز على القواسم المشتركة والإشتغال الجماعي عليها مع تدبير الإختلاف بالحوار القائم على مبدإ الإحترام المتبادل والإعتراف بالآخر ونبذ الإقصاء والعنف.
وهذا ما يجب أن يكون وما يجب أن تنكب عليه الذوات الحراكية بالداخل والخارج. وهو الطريق الآمن لتحقيق ما يريد كل حراكي(ة)،وأوله إطلاق سراح جميع معتقلي حراك الريف وكل معتقلي الرأي والحراكات الإحتجاجية بالمغرب ووقف المتابعات وتحقيق الملف المطلبي.

قيم هذه المادة |
0,0





التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الإلتزام بالأداب العامة
 
0
تعليقات الزوار   |   
0
ردود



رأيك مهم جدا
* الإسم الكامل
عنوان التعليق
* نص التعليق






للأعلى