مفارقات اللهجة والتباس المعاني في استخدامات اللغة العربية

الرئيسية ساحة المواقف

لاحظت خلال أسفاري العديدة في بلدان المغرب والمشرق العربيين، الفروق الكبيرة بين اللهجات، بل وبين الاستخدامات العربية لنفس المعاني اختلافا يصل أحيانا إلى مستوى سريالي.
أمير العمري
مفارقات اللهجة والتباس المعاني في استخدامات اللغة العربية
أضيف في 12 يونيو 2019 الساعة 11:23

أمير العمري


لاحظت خلال أسفاري العديدة في بلدان المغرب والمشرق العربيين، الفروق الكبيرة بين اللهجات، بل وبين الاستخدامات العربية لنفس المعاني اختلافا يصل أحيانا إلى مستوى سريالي.

في اختلاف اللكنات بين العرب أكثر من سؤال (لوحة للفنان نجا المهداوي)

المفارقات اللغوية بين اللهجات العربية مسألة محيرة وأحيانا مربكة ومحرجة، فهناك الكثير من الكلمات التي يمكن بكل بساطة أن يساء فهم معناها المقصود إذا ما سمعها مثلا العراقي في الجزائر، أو المصري في المغرب، أو التونسي في مصر. والمشكلة ليست تباين المعاني، بل طريقة النطق أيضا.

يتحدث كل شخص ويكتب بلهجته وطريقته الخاصة في استخدام اللغة العربية وبما اعتاد عليه وورثه عن آبائه وأجداده وما تعلمه في المدرسة، وترفض الغالبية العظمى منا، وحتى المحسوبين على “المثقفين”، أي أصحاب الرأي والفكر ودعاة التغيير والتقدم، بكل قوة وتشدد، تعديل أو تغيير أو حتى مجرد مراجعة ما يكتبونه وما يقولونه كما لو كان كله مقدسا ومفروغا منه.

سبق أن تناول الدكتور هيثم الزبيدي في مقال له في “العرب” موضوع الطرق المتباينة التي يكتب بها العرب الكثير من الكلمات، وخاصة استخدام الأحرف بين الجيم J المعطشة والـg المصرية، وما يحدث من مفارقات بسببها.
لغات مختلفة

من واقع تجربتي الشخصية هناك الكثير من المفارقات بين اللهجات واستخدام الكلمات في اللغة العربية في العالم العربي، وطبعا من الممكن الآن، أن يعترض البعض على استخدامي تعبير “العالم العربي” بدعوى أن ما أسميه العالم العربي “غير عربي” تماما، ففيه مجتمعات تختلط فيها الأعراق والأصول المختلفة مثل الأكراد والأمازيغ والنوبيين والأرمن والأفارقة، وهؤلاء لهم “لغات خاصة” يصرون أيضا على أنها مكتوبة أو يمكن كتابتها وأن لها قواعدها الخاصة، وهو قول مشكوك فيه كثيرا.

وإلاّ فأين الأدب والشعر والنثر الذي أنتجته هذه “اللغات”.. لكنها مشكلة أخرى، ترتبط بعدم وضوح مفهوم “الدولة القومية” أو “الوطنية” (هنا يختلف الكاتبون بالعربية أيضا حول الكلمة الأنسب للتعبير عن national اللاتينية). مع ملاحظة أنني لم أستخدم التعبير الأكثر تعبيرا عن الموقف الأيديولوجي القومي، أي “الوطن العربي”.

أعود إلى اختيار الكلمات وطريقة كتابتها، فقد لاحظت مثلا خلال أسفاري العديدة في بلدان المغرب والمشرق العربيين، الفروق الكبيرة بين اللهجات، بل وبين الاستخدامات العربية لنفس المعاني اختلافا يصل أحيانا إلى مستوى سريالي. وقد ناقشت بعض أصدقائي المغاربة من الأكاديميين الضليعين في اللغة العربية وسألتهم لماذا الإصرار مثلا على كتابة كلمة “التاكسي” بالطاء، أي “الطاكسي”؟

    المسؤولون في التلفزيون البريطاني يدربون المذيعين على قراءة الأخبار بلهجة سكان لندن المتعلمين

أليست هذه أصلا كلمة أجنبية دخلت اللغة العربية والأصل فيها حرف الـt اللاتيني الذي هو أقرب إلى “التاء” العربية في حين أنه لا يوجد في اللغات اللاتينية والجرمانية ما يوازي حرف الطاء الثقيل في العربية؟ وكانت الإجابة دائما أن استخدام حرف الطاء هو الأصح، لذلك هم أيضا يكتبون طاركوفسكي (تاركوفسكي)، ورولان بارط (بارت)، وريبورطاج (أي ريبورتاج).

وإخواننا في لبنان يكتبون أيضا “طوني” وليس توني، وفي بلدان المغرب العربي لا يوجد “حسن” بل “حسان”، وهي في ظني طريقة في النطق مستمدة من طريقة نطق الفرنسيين للاسم!

أما في ما يتعلق بالتعبيرات الغريبة التي تنم عن ترجمة رديئة عجيبة، أن تجد مثلا كلمة “إركاب” في المطارات بدلا من “المغادرة” أو “السفر”، أو لوحة يكتب عليها في المحلات التجارية “الزبون الموالي”، والمقصود “الزبون التالي”.

وفي الجزائر يستخدمون كلمة “التربص” بمعنى تدريب (وهي أيضا ترجمة سيئة عن الفرنسية)، وبالتالي تصبح هناك “دورة تربصية”، أي تدريبية، كما يستخدمون “قباضة” بدلا من “خزانة”، و“مجزرة” أي “جزارة”، و“رمامة وجبارة” بدلا من “ترميم وتجبير” العظام، و“إطار” بمعنى “خريج جامعة”.. وهكذا.

ولا يستطيع إخواننا العراقيون التخلص بسهولة كما أشار الدكتور هيثم، من الخلط بين حرفي الظاء والضاد، فهم يستخدمون الظاء بدلا من الضاد التي توصف بها اللغة العربية، أي يقال إنها “لغة الضاد”، كما يكتب معظمهم “التأريخ” بمعنى “التاريخ” رغم الاختلاف المعروف بين المعنيين.

وينطق العراقيون كلمات مثل “الجيش” أو “الجبهة”، “اجيش” و“اجبهة”، أي من دون اللام التي تعقب الألف، وهو ما كان يقتضي تدريبات خاصة على الأداء الصوتي لزملائنا العراقيين عندما التحقنا بتلفزيون “بي.بي.سي. العربي” في منتصف التسعينات.

والسوريون يكتبون اللون “الخاكي” بينما يكتبها المصريون “الكاكي”، ويقول السوريون والفلسطينيون “أهلا فيك” بينما المصريون يقولون “أهلا بيك”، أي بك.. والمغاربة يعطشون الجيم شأن غالبية العرب، إلاّ في ما يتعلق بكلمة واحدة هي (اجلس) التي ينطقونها بالطريقة المصرية أو مثل نطق الـg اللاتينية، وعندما سألت أصدقائي المغاربة عن السبب تطلعوا إليّ مندهشين وقالوا إنهم لا يعرفون السبب وبدا أنهم اكتشفوا لتوهم أنهم فعلا ينطقون “اجلس” بالطريقة المصرية وربما أيضا اليمنية لا العربية الشائعة عموما.

وفي لبنان أيضا يقولون “إجري” بمعنى رجلي، و“منيح” بمعنى مليح، و“عمنسوي” أو “عم نروح” وهي التي اختصرها المصريون في”بنعمل”، أو “بنروح”. وإخواننا في مصر ينطقون الأسبوع “الإزبوع”، فإذا لفت نظر أحدهم إلى أن الصحيح هو “الأسبوع” يتأملك لبرهة ثم يقول “ولكني نطقتها فعلا كما تقول أنت، أي الإزبوع”. يعني لا فائدة ترجى.

وفي الصعيد المصري يعطشون الجيم مثل غالبية العرب، ماعدا في الكلمات التي تقتضي تعطيش الجيم فعلا فينطقونها بالجيم المصرية، أي دون تعطيش مثل “البيغامة” يقصد البيجامة، وكان لي صديق طبيب من الصعيد قال لي ذات مرة إنه يريد أن يحافظ على” البرستيغ” بتاعه، يقصد “البرستيج” الأجنبية، وطبعا “بتاع” أصلها “متاع”، ولذلك ففي تونس يقولون متاع كذا، ولكن في الجزائر ابتكروا كلمة “إنتاع” التي أجدها مستعصية على الفهم، فيقولون مثلا “الكتاب إنتاع فلان!”.
كلمات مدغومة

حدث ذات مرة أنني لفتّ نظر مذيع فلسطيني صديق كنت أعمل معه في إحدى القنوات التلفزيونية الشهيرة إلى الخطأ الذي يكرره عند نطق بعض الأسماء مثل بيل كلينتون وكان ينطقه “بيلي كلينتون” أو “بيل اكلينتون” مدغومة معا في شبه كلمة واحدة لا في كلمتين منفصلتين كما ينبغي في تصوّري.

وكذلك “صدام احسين” بدلا من صدام حسين، لكنه لم يتمكن من النطق الصحيح فقد غلبته اللهجة المتأصلة، وهي ملاحظة موجودة ومنتشرة حتى الآن، تماما مثلما ينطق المذيعون العرب “واشينطون” بدلا من واشنطن.

وكنت دائما أعتقد أن المذيع الجيد هو الذي لا تستطيع أن ترصد لهجته الأصلية والبلد الذي جاء منه من طريقته في قراءة الأخبار ونطق الكلمات، وكنا دائما نتراهن مع بعضنا البعض على أصول بعض المذيعات والمذيعين، ومن أي بلد جاؤوا، ونتمكن عادة من التخمين الصحيح، إلاّ في ما ندر.

    كنا دائما نتراهن مع بعضنا البعض على أصول بعض المذيعات والمذيعين، ومن أي بلد جاؤوا، ونتمكن عادة من التخمين الصحيح

وكما في مصر حيث يجب أن ينطق المذيع بلغة سكان القاهرة، يتبع المسؤولون في التلفزيون البريطاني تدريب المذيعين على قراءة الأخبار بلهجة سكان لندن المتعلمين أو الجنوب الشرقي الإنكليزي عموما، وليس اللهجة الأسكتلندية أو الأيرلندية أو لهجة شمال إنكلترا (يورك وليفربول ومانشستر) التي تختلف عن لهجة لندن.

ويجب أن يلاحظ القارئ أنني كتبت الإنكليزية بالكاف فقط لكي تتماشى مع النهج الذي تسير عليه جريدة “العرب” وليس “السجائر” كما أكتبها لو تركت وحدي.. أما شرق لندن، فهو يعرف أيضا اللهجة الشعبية الدارجة المسماة “الكوكني” التي تستخدمها عادة الشريحة الأدنى اجتماعيا (مثل الحمالين والسائقين والعمال والباعة.. إلخ)، وفيها أيضا بعض الكلمات التي لا تُعد ضمن الكلمات المحترمة التي يستخدمها مثلا خريجو جامعة أوكسفورد، مثل كلمة “كويد” quid بمعنى “جنيه إسترليني” بديلا عن “pound” المستخدمة على نطاق واسع.

بيد أن “كويد” كما قرأت، لها أيضا أصل لاتيني ويرجع استخدامها في بريطانيا إلى القرن الخامس عشر، لكنها تدريجيا، أصبحت قاصرة على الأوساط الشعبية جدا، ولا تستخدم مثلا في لغة البنوك كما لا تُكتب أبدا. والموضوع على أي حال، يطول شرحه!

المذيع الجيد ذاك الذي لا تستطيع أن ترصد لهجته الأصلية

 

 

قيم هذه المادة |
0,0





التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الإلتزام بالأداب العامة
 
0
تعليقات الزوار   |   
0
ردود



رأيك مهم جدا
* الإسم الكامل
عنوان التعليق
* نص التعليق






للأعلى