حماسة السودان ومحاذيره

الرئيسية ساحة المواقف

للسودانيين كل الحق في الحرية العدالة والديمقراطية، غير أن الحماسة الزائدة لها محاذيرها. لقد قالت الجموع كلمتها، وهذه الجموع، ستظل على جاهزيتها، ويجدر بها أن تتروّى قليلا، حرصا على هيبة الدولة.
عدلي صادق
حماسة السودان ومحاذيره
أضيف في 9 يونيو 2019 الساعة 10:18

عدلي صادق


للسودانيين كل الحق في الحرية العدالة والديمقراطية، غير أن الحماسة الزائدة لها محاذيرها. لقد قالت الجموع كلمتها، وهذه الجموع، ستظل على جاهزيتها، ويجدر بها أن تتروّى قليلا، حرصا على هيبة الدولة.
على وقع هتافات الثورة في الخرطوم، عاد مغني الراب السوداني المهاجر أيمن ماو إلى بلاده. وفي ظهوره أمام الجماهير، احتشد من الناس أضعاف مجموع الذين احتشدوا للبشير طوال فترة حكمه المديد. ولأن الهتاف، وكلمات الأهازيج، تُفصح عن وجهة الغاضبين المستأنسين بأنفسهم؛ فقد أفرغ أيمن، بصوته وموسيقاه، كل ما في جعبته من كلام الشوق وطموحات السودانيين إلى الحياة الطبيعية المدنية. وقد بدا أن أيمن هو ثالث الرموز التي أظهرت تجلياتها منذ أن بدأ الحراك: القطار القادم من عطبرة متبخترا مزهوا بحمولته من الناس في العربات، وعلى أسقفها وأبوابها، وهناك الفتاة السودانية التي أشعلت حماسة قريناتها مرموزا إليها بــ”آلاء صالح” التي اعتلت ظهر إحدى السيارات، بثوبها الأبيض وصوتها الجهوري، فأصبحت أيقونة الاحتجاجات. فإن كانت بنتا سودانية، كآلاء، تردد دون خوف أبياتا ثورية، فيتعين على الشباب أن يجيبوها، كرجع الصدى، بهتاف واحد من كلمة واحدة وراء كل بيت: ثورة!

نحو ثلاثمئة وعشرة كيلومترات، يقطعها القطار القادم من عطبرة إلى ساحة الاعتصام في الخرطوم، في ثماني ساعات، لكي يكسر طوق الحديد والنار. ويتذكر السودانيون، أن جعفر نميري، قبل نصف القرن، رفض شق وتزفيت شارع يربط عطبرة بالعاصمة، تحاشيا لأن يزحف الشباب بالدراجات الهوائية التي اشتهروا باستخدامها في عطبرة، إلى الخرطوم لإسقاط حكومته. لكن قطارا واحدا، أدى في الأيام الأخيرة من حكم الدكتاتور، مهام ألوف الدراجات!

للسودانيين كل الحق في الحرية العدالة والديمقراطية، غير أن الحماسة الزائدة لها محاذيرها. لقد قالت الجموع كلمتها، وهذه الجموع، ستظل على جاهزيتها، ويجدر بها أن تتروّى قليلا، حرصا على هيبة الدولة. ثم إن للمجتمع ثقافته التقليدية غير المطابقة تماما لثقافة “آلاء صالح” ومجموعة “قرفنا” التي سجلت حضورا مبكرا في هوامش المشهد السياسي السوداني. فالرؤية الواحدة، سواء كانت يسارية أو دينية، منتجة بطبائعها العنف السائب، ومحبطة للمشروع الديمقراطي التعاهدي، الذي يُفيد الجميع ويحفظه الجميع. كان أيمن ماو، يبشر منذ سنوات، بغياب البشير، وأطلق من منفاه الاختياري أغنيته “بن علي هرب” تذكيرا بمآلات الدكتاتور التونسي. ولما أصبح على موعد مع جماهير السودان، استقبله موظف الهجرة في المطار، بالترحيب والتلطف!

فعل السودانيون، ما هو أبلغ وأشد مضاضة على الدكتاتور، إذ احتجزوه ولم يُمكنوه من الهرب، ولم تعد الديمقراطية أمنية بعيدة المنال. لكن الحماسة الزائدة ونقيضها العنف العسكري، يحرفان السياق ويفارقان الحكمة!

قيم هذه المادة |
0,0





التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الإلتزام بالأداب العامة
 
0
تعليقات الزوار   |   
0
ردود



رأيك مهم جدا
* الإسم الكامل
عنوان التعليق
* نص التعليق






للأعلى