باحث مغربي يعلنها مدوية بخصوص ''العامية'' في التعليم ويكتب: حتى لا ننخدع بخطاب «أمير المؤمنين»!..

الرئيسية في العمق

باحث مغربي يعلنها مدوية بخصوص ''العامية'' في التعليم ويكتب: حتى لا ننخدع بخطاب «أمير المؤمنين»!..
أضيف في 16 شتنبر 2018 الساعة 13:00

عبد الجليل بيشا

تقديم النص:
يروّج البعض في سياق الجدل الدائر بداية هذا الموسم الدراسي حول توظيف العاميّة (الدارجة) في التعليم، لمقتطفات من إحدى خطب الحسن الثاني، يقرر فيها إجبارية التعليم في الكتاتيب القرآنية سنتين قبل ولوج المدرسة العمومية، ضاربا المثال بنفسه حين قرر إدخال أبنائه إلى الكتاب القرآني (لمسيد).

ليست هذه هي المرة الأولى التي يتم الترويج فيها لذلك الخطاب، فقد سبقت مشاركة الشريط الذي يتضمن تلك المقتطفات، على نطاق واسع على شبكات التواصل الإجتماعي خلال نونبر 2013، في أعقاب تصريح "عيوش الأب"، أحد دعاة "الفرنسة" البارزين في النظام الحالي، بضرورة إلغاء التعليم بنظام الكُتّاب القرآني (لمسيد)، وإدماج الدارجة في المنظومة التعليمية، وخاصة بعد مناظرته العروي في برنامج "مباشرة معكم" في القناة الثانية في نهاية الشهر ذاته.

- فما السياق العام الذي جاءت فيه "عملية الكتاتيب القرآنية"؟ وما الهدف من ورائها؟

1- خطاب 9 أكتوبر 1968:

أعلن الحسن الثاني عن عملية الكتاتيب القرآنية في خطاب 9 أكتوبر 1968، ومما جاء فيه:

« لذا بعد التفكير، اقتضى نظرنا استجابة إلى داعي الضمير ونزولا عند مقتضيات الدستور وبرا وتطبيقا لواجبنا الذي هو قبل كل شيء يفرض علينا أن نكون حامي الملة والدين قررنا أن نفتح هذه السنة جملة الكتاتيب القرآنية.

ولو لم تكن هذه الأيام راجت مقالات مكتوبة ومقروءة حول النظام الديمقراطي البرلماني وغير البرلماني لدخلنا في هذا التفصيل ولقلنا إن مشروعنا هذا قد كنا وضعناه منذ سنين أي منذ ثلاث أو أربع سنوات وشعرنا إذ ذاك أنه لن تكون له جدوى، بل ربما يقيم ضجة مختلقة سطحية لا صلة بينها وبين المشكل الحقيقي. »

وتأكيدا للخطوة، أقام الملك يوم 22 من نفس الشهر، في "دار الشرفاء" بالقصر الملكي بالرباط، حفلا دينيا بمناسبة إلتحاق الأمراء محمد (ولي العهد) ومريم وابن أخيه هشام بالكتاّب.

2- االسياق العام للخطاب:

تولى الحسن الثاني الحكم في فترة تميزت بحدة الانقسام الاقليمي في ظل الحرب الباردة في مرحلتها الثانية (1962-1979)، حيث والت الأنظمة الجمهورية وفي مقدمتها مصر وسوريا المعسكر الشيوعي، في حين والت الملكيات العربية وخاصة المغرب والعربية السعودية المعسكر الرأسمالي، وقد عانى الملك الشاب منذ توليه العرش في سبيل إثبات "الشرعية"، ذلك أنه لم يكن له "رصيد وطني" كوالده محمد الخامس، يجعل منه رجل إجماع، في ظل تجاذب سياسي حاد في البلد نتيجة تفرد القصر بالسلطة وإقصائه الممنهج للحركة الوطنية عنها، مما ساهم في انقسامها شطرين مطلع 1959، "الإتحاد الوطني للقوات الشعبية" ذي المرجعية اليسارية، و"حزب الإستقلال" ذي المرجعية السلفية. وحتى دستور 1962، الذي منحه الفصل 19 منه لقب "أمير المؤمنين"، لم يحقق له تلك الشرعية المنشودة، حيث سيصطدم مبكرا بطموحات اليسار الثوري الذي كان يحظى بدعم من الناصرية في مصر، صدام سيتفجر بعد ملتمس الرقابة ونزع الثقة من حكومة با حنيني الذي طالب به الاتحاد في 1964، مستعملا الفصل 81 من ذات الدستور، ثم جاءت أحداث 23 مارس 1965 في الدار البيضاء، وحل البرلمان وفرض حالة الاستثناء في يونيو، وعملية اختطاف بن بركة في 29 أكتوبر من نفس السنة، لتزيد الوضع حدة، وهو ما جعل الحسن الثاني يقوم بتجميع كل السلط في يديه، ويبدأ الحرب على الشيوعية مستعملا سلاح الدين.

3- الدين في مواجهة الشيوعية:


شهدت أوربا سنة 1968، عدة انتفاضات ذات نفحة شيوعية، أهمها أحداث ماي الطلابية في العاصمة الفرنسية باريس، و"ربيع براغ" في تشيكوسلوفاكيا في غشت، أحداث زادت من توجس الحسن الثاني من المد الشيوعي بالبلد، في ظل عزلة سياسية عاشها نظامه بعد حادث اختطاف بن بركة وتوتر العلاقات مع باريس، إلى درجة تجميد التعاون الاقتصادي معها مدة سنتين (1967-1969)، كما أن العلاقات مع المحيط الإقليمي كانت في غاية السوء، وخاصة مع نظامي بومدين في الجزائر، وعبد الناصر في مصر الذي كان يخطط لإسقاط كل الملكيات بالمنطقة.

لتجاوز الوضع الداخلي المختنق سمح الملك بعودة الحزب الشيوعي المغربي إلى الحياة السياسية، تحت مسمى "التحرر والاشتراكية"، وهو الحزب الذي قامت حكومة عبد إبراهيم اليسارية بحله من قبل في 10 شتنبر 1959، عودة لم يستسغها "الثوريون"، فأطلقوا على أنصاره لقب "الشيوعيون الملكيون"، بسبب دفاعهم عن "الخصوصية المغربية". من جهة ثانية، استمر الملك في نهج سياسة دينية تحت يافطة "أمير المؤمنين" و" حامي الملة والدين"، وتوظيفها لمحاصرة خصومه الشيوعيين داخليا وإقليميا، حيث أقام "الدروس الرمضانية (الحسنية)، وأسس "دار الحديث الحسنية" سنة 1964، ويسّر عمل "جماعة الدعوة والتبليغ"، وتقارب مع نظام آل سعود ذي الهوية الوهابية سنة 1966، وفرض التعريب في التعليم، وجعل المرور من الكتاب القرآني - كما ورد في الخطاب قيد التحليل - شرطا لولوج المدرسة العمومية، في وقت كانت فيه النخب الفرنكوفونية بما فيها اليسارية، تدرس أبناءها في مدارس البعثات الفرنسية بالبلد (دكارت بالرباط؛ ليوطي بالبيضاء؛ هيغو بمراكش)، كما استضاف أول مؤتمر للقمة الإسلامية في 20 دجنبر 1969، تزامنا مع إسقاط العقيد القذافي النظام الملكي في ليبيا بدعم من عبد الناصر، وسيصبح الدين ضمن الآليات الرئيسية في مواجهة الشيوعية، وخاصة بعد تبني الجزائر النهج الإشتراكي بداية من 1971، حيث سمح بتأسيس جمعيات دينية مثل "الشبيبة الإسلامية" و"دور القرآن"، بل إن الدين كان السلاح الفعّال الذي وظفه في ملف الصحراء، وخاصة في حدث المسيرة الخضراء نهاية 1975، الحدث الذي منح الحسن الثاني شرعية وطنية طال بحثه عنها.

خاتمة:

كان التعريب إحدى الخطط السياسية لنظام الحسن الثاني، لكسر شوكة الشيوعية بالمغرب لما كانت تشكله من خطر محدق بعرشه، وكانت لعملية الكتاتيب القرآنية، غاية واحدة هي صناعة "مواطنين صالحين مسلمين"، يعتقدون اعتقادا جازما أن "السلطان ظل الله في أرضه"، ولعل بعض أولائك الفرنكوفونيين الذين حاربهم الحسن الثاني بالأمس، أو ما نصطلح عليهم "طلبة 68"، هم من يخطط اليوم لمشروع إلغاء التعليم بنظام الكتاتيب القرآنية، وإدماج العاميّة في التعليم بباعث الحفاظ على النظام أيضا.

فهل يجُبُّ «إنقلاب 2018» ما خطّته «ثورة 1968»؟!

* عبد الجليل بيشا باحث في تاريخ المغرب

قيم هذه المادة |
0,0





التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الإلتزام بالأداب العامة
 
0
تعليقات الزوار   |   
0
ردود



رأيك مهم جدا
* الإسم الكامل
عنوان التعليق
* نص التعليق






للأعلى