''زيت الغزال المسمومة''، إضاءة على أول كارثة صحية و ملابساتها،في تاريخ المغرب .

الرئيسية تقارير وحوارات

''زيت الغزال المسمومة''، إضاءة على أول كارثة صحية و ملابساتها،في تاريخ المغرب .
أضيف في 25 نونبر 2018 الساعة 22:05

همس نيوز ــ خاص


 بینما كان المغرب حدیث العهد بالإستقلال یتخبط في مشاكل متعددة یتداخل فيها السیاسي والاجتماعي والاقتصادي، أندلعت بالبلد عام 1959 كارثة هي الأولى من نوعها في تاريخه الحديث.

 وبينما كانت ساكنة مدينة "مكناس" تحيي سنة 1959، ذكرى المولد النبوي، و في غمرة إستعداداتها لإستقبال الملك محمد الخامس في زيارته الرسمية للمدينة، كان المستشفى المركزي بالمدينة، و بشكل مفاجئ، يشهد توافد مرضى مصابين بحالات خطيرة و غامضة، وهو ما سجله التاريخ فيما بعد، كأول كارثة صحية و فضيحة سياسية عرفها المغرب بعد الإستقلال و التي عرفت إعلاميا بــ "كارثة زيوت ــ غزال ــ المسمومة" !!.

 و لقد أشارت بعض المقالات الصحافية التي نشرت في إبان وقوع كارثة الزيوت المسمومة ، إلى أن الكميات التي كانت متوفرة في المخازن في تلك الفترة كانت كافية لتسميم المغرب كله.. وتؤكد تلك المقالات، بما لا يدع مجالا للشك، أن هذا السم قاتل، بدليل التجارب التي أجريت على أرانب ماتت بعد فترة قصيرة من تطعيمها بهاته الزيوت. واستنادا إلى تلك المقالات الصحافية فإن مدينتي فاس والدار البيضاء شكّلتا البؤرتين الرئيستين لتوزيع تلك الزيوت.

وبينما كان المغاربة يقبلون على اقتناء هاته القنينات من الزيت «الرخيصة»، معتقدين أن الدولة شرعت، في التفكير في الطبقات الفقيرة من الشعب  المقهورة، بدأت المستشفيات المغربية، على قلتها، تستقبل الكثير من حالات التسمم، التي وقف الأطباء أمامها حيارى، لكن التزايد الهائل لهذه الحالات جعل السلطات الصحية تعمّق أبحاثها لتخلُص، في الأخير، إلى أن السبب الحقيقي هو تناول زيوت مسمومة.

سيرورة و جذوة الكارثة

 في عز اشتعال فتيل الحرب العالمية الثانية، وبالضبط في سنة 1942، وبعد أن بدا أن ألمانيا، بزعامة أدولف هتلر، تحقق انتصارات في مختلف الجبهات، قررت الولايات المتحدة الأمريكية التدخل لمساندة الحلفاء.

 ولذلك فإنها قامت بإنزال عسكري مكثف على الجبهة المتوسطية وأصبح المغرب، بذلك، قاعدة جوية أساسية لاحتضان القوات الأمريكية بالنظر إلى موقعه الجغرافي الإستراتيجي.

 حين وضعت الحرب الثانية أوزارها وإنتصر الحلفاء، بدعم أمريكي، دحر ألمانيا،إستمرت القواعد الأمريكية في المغرب. وفي يوليوز سنة 1959، وقع المغرب والولايات المتحدة الأمريكية اتفاقية تغادر بموجبها القوات التي كانت مرابطة بكل من القنيطرة، النواصر، ابن سليمان وسيدي يحيى الغرب، حينها لم يكن عموم من المغاربة، يعلمون أن قرار مغادرة القوات الأمريكية لقواعدها الجوية، سيؤدي إلى وقوع مأساة إنسانية حقيقية ستتضح معالمها.

 وحين تمكنت بعض عديمي الضمير من الوصول إلى الكميات الكبيرة من المواد السامة التي خلّفتها تلك القوات في العديد من المدن. في هذه الظرفية بالذات، بدأت هذه الأيادي في حبك فصول «جريمتها» بعناية شديدة، فعمدت إلى جلب المواد السامة إلى مدينة مكناس، وبالتحديد إلى محل في ملك الدولة المغربية، لصنع زيوت «الغزال» تطل بوابته الموصدة إلى حد اليوم على الجهة الغربية لضريح المولى إسماعيل، فقامت بمزج 67 في المئة من المادة الكيميائية السامة، التي تسمى اختصارا بالفرنسية «TOCP» وهي مادة عديمة اللون والرائحة بـ 33 في المئة من الزيوت النباتية الغذائية العادية في قارورة زجاجية من سعة لتر واحد. لا شيء كان يهم مرتكبي هذه الجريمة الشنيعة سوى ضمان وسيلة للربح القذر.

Imagen relacionada

إحدى الاحتجاجات لضحايا الزيوت المسمومة



  أكثر من 20 ألف كانوا ضحايا هذا التسمم، عائلات بأكملها قضت نحبها، وآخرون نالت منهم الأمراض فأقعدت بعضهم، بينهم الكثير من الأطفال والنساء والشيوخ، منهم من يوجد في يومنا هذا على كراسي متحركة وقد نالت منه الأمراض الناتجة أساسا عن الكارثة.

 أمام هول الفاجعة لم تجد الدولة إلا أن تصدر ظهيرا يقضي بموجبه تخصيص مستخلصات بيع طابع بريدي خاص بتصاريح العربات، تذهب أرباحها لفائدة المنكوبين الذين فاقت معاناتهم إعانات الدولة.

 إمتلك الرعب آنذاك السكان لدرجة أن البعض هاجر إلى مدن أخرى هربا من الوباء، وآخرون تركوا جيرانهم خشية انتقال العدوى، وارتفعت الأصوات للكشف عن المجرمين، ومعاقبتهم أشد عقاب، لتبدأ فصول طويلة في المحاكم، لم تنته بالقبض على المجرمين الذين تسببوا في هلاك العباد، ليكون قدر الضحايا نفس قدر المنكوبين جراء الزلازل والحرائق والفيضانات، حيث يغيب الجناة، ولا زال إلى حد الآن من يطالب بالكشف عن الجهة المتسببة في هذه الإبادة الجماعية التي كان ضحيتها أناس أبرياء.

 فقد وجهت "العصبة المغربية لمرضى ضحايا الزيوت المسمومة"،وهي الإطار الشرعي الممثل للضحايا، رسالة إلى السفارة الأمريكية في الرباط مؤرخة ب9 يونيو 2005، تبرز فيها المسؤولية التي تتحملها أمريكا تجاه الضحايا، داعية السفير الأمريكي إلى التدخل لدى رئيس الجمهورية الأمريكية بغاية تعويض الضحايا بشكل يسمح لهم باسترجاع حقوقهم الضائعة. وقد ذكّرت هذه المراسلة بالظروف التاريخية التي أحاطت بكارثة الزيوت المسمومة. ولم يتأخر رد السفير الأمريكي كثيرا، حيث بعث برسالة إلى العصبة يؤكد فيها أنه بات لزاما على الضحايا أن يضغطوا على الحكومة المغربية بغية مراسلة الحكومة الأمريكية بهذا الشأن.

 يعود ملف تعويض ضحايا الزيوت السامة إلى 7 دجنبر 1960، حين أصدر الملك الراحل محمد الخامس ظهيرا ملكيا نُشِر في الجريدة الرسمية عدد 2517 بتاريخ 20 يناير 1961، وألحق، في ما بعدُ، بقرار وزاري مشترَك بين وزارتي الاقتصاد الوطني والمالية والأشغال العمومية رقم 17 -1 -60 بتاريخ 30 دجنبر 1960، المبين لكيفية تفعيل مقتضيات الظهير الملكي، والذي ينُصّ، بشكل صريح، على استفادة ضحايا الزيوت السامة من إعانات مادية تُستخلَص من مبيعات التمبر من فئة 4 دراهم، المفروض على جميع العربات المستعملة والجديدة، والذي يباع لدى مكاتب التسجيل عبر التراب الوطني منذ فاتح فبراير 1961 إلى الآن. لكن واقع الحال، استنادا إلى أقوال الضحايا، يثبت أن الدولة لم تُمكّنهم من هذه المساعدات، التي «ظلت تضخ بانتظام في خزينة الدولة لمدة نصف قرن، دون حسيب أو رقيب، وهي مليارات استحوذت عليها الدولة من دون مسوغ قانوني ودون موجب حق».

Resultado de imagen de ‫ياسمينة بادو، ووزير الاقتصاد والمالية، صلاح الدين مزوار،‬‎


 ولا يتردد الضحايا في توجيه سهام النقد إلى المسؤولين، متهمين إياهم ب«توقيع اتفاقيات عرفت أساليب المكر والخداع للتحايل على الظهير الشريف للاستيلاء على أموال الإعانات خارج القانون». ولعل من آخر فصول هذا التحايل، يضيف الضحايا، «هو عدم تمكين "العصبة المغربية لمرضى ضحايا الزيوت المسمومة"، من الاطّلاع على الاتفاقية المزعومة مع منعها للتوقيع عليها لتمريرها بالشكل المرغوب فيه سرا، رغم أنف أصحاب الحق، الذين لم يطّلعوا على فحوى الاتفاقية إلا بعد أن حصلوا على الخبر من موقع وكالة المغرب العربي للأنباء».

 عملية إستقصاء و بحث صحفية في مضامين ما سمته العصبة «الاتفاقية المزعومة» ووجدت أنه تم توقيع اتفاقية لتدبير التعويضات الممنوحة لضحايا الزيوت يوم الخميس 15 أبريل 2010.
 ونصت هذه الاتفاقية الموقعة من طرف كل من وزيرة الصحة، ياسمينة بادو، ووزير الاقتصاد والمالية، صلاح الدين مزوار، والوزير المكلف بإدارة التراب الوطني، عبد الرحمان السباعي، على «تعزيز تدابير المساعدة والدعم لفائدة ضحايا الزيت المسمومة من خلال الرفع من قيمة الإعانات الشهرية الممنوحة لهؤلاء الضحايا إلى 1000 درهم للضحية و200 درهم لكل طفل يقل عمره عن 21 سنة»، ناهيك عن «تمويل مشاريع ذات طابع اجتماعي وإنجاز مشاريع أخرى تهدف إلى الإدماج السوسيو اقتصادي للضحايا، تمول بالأساس من خلال العائدات المتوفرة من رسوم التمبر إلى حدود 31 دجنبر 2009».

 وبمقتضى هذه الاتفاقية «ستتكفل المصالح الصحية التابعة لوزارة الصحة بالضحايا في ما يخص كافة العلاجات المرتبطة بأمراض التسمم الناجمة عن الزيوت الغذائية المسمومة، بينما ستتكفل المستشفيات العسكرية بعلاج الأمراض الأخرى». وقد عُهِد إلى مؤسسة الحسن الثاني للأعمال الاجتماعية لقدماء العسكريين وقدماء المحاربين بعملية منْح تعويضات مالية شهرية لضحايا الزيوت الغذائية المسمومة وإقامة مشاريع لفائدتهم.

 يبدو مثل هذا الكلام، في نظر الضحايا، أقربَ ما يكون إلى «الخيال» أو «الأحلام الموغلة في المثالية»، فقد «تم استثناء المبالغ المستخلَصة من العربات المستعملة، المنصوص عليها في الظهير الملكي المشار إليه سلفا، كما أن المستشفيات ترفض البطاقة الاجتماعية التي منحتها إيانا مؤسسة الحسن الثاني للأعمال الاجتماعية»، والأدهى من ذلك، يستطرد عدد من الضحايا أن «الحكومة تريد أن تفرض الأمر الواقع من دون الاحتكام إلى القانون ومن دون حتى مشاورة المعنيين بالأمر، وهذا منطق غريب تتعامل به الدولة تجاه هذا الملف». واعتبر الضحايا هذه الاتفاقية التفافا على مطالبهم واستشعارا من الحكومة «بالخطوة التي كنا نعتزم تنفيذها والمتمثلة في رفع توصية إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نعلن فيها تظلمنا من الممارسات المشينة التي أدّت إلى حرمان الضحايا من التعويض إثر الاجتماع الموسع، الذي انعقد يوم 03 دجنبر2009 بمقر المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، بحضور ممثلين من العصبة والمجلس». ولم يكن الهدف الرئيسي، حسب وثائق العصبة، من هذه «الاتفاقية المشؤومة والظالمة الرفع من المستوى المعيشي للضحايا وإنما قطع الطريق عن فريق العمل في المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، الذي كان على وشك رفع توصية لفائدة المنكوبين لاسترجاع الأموال المنهوبة لأصحابها، وهي عبارة عن تضامن الشعب المغربي مع ضحايا الكارثة».

 ويطالب الضحايا بالرفع من المنحة الشهرية المقدَّمة من الحكومة لتصل إلى 5000 درهم «لنتمكن من ضمان العيش الكريم في أبسط شروطه»، علاوة على استرجاع الأموال المودعة في الخزينة نتيجة مبيعات العربات المستعملة والجديدة عبر «اللجوء إلى إحصاء شامل وكامل للبطاقات الرمادية المسلَّمة للمواطنين بعد اقتنائهم عربات من مديرية النقل على امتداد 50 سنة»...

 دخلت قضية ضحايا الزيوت المسمومة قبة البرلمان يوم 29 أكتوبر 2003، بسؤال شفوي طرحه فريق التحالف الاشتراكي على وزير الصحة بخصوص مدى التزام الحكومة بإيجاد حلول مستعجلة لهذا الملف، وكان رد الوزير، حينئذ، أن «الدولة بصدد صياغة خطة تقضي بأن يتحمل كل قطاع مسؤوليته لتدبير الملف».

 قُدِّر لفصول هذه الملف أن تستمر وقُدِّر لمعاناة الضحايا أن تتواصل، وكانت الساحة المحاذية لوزارة المالية، مؤخرا، محجا لضحايا الزيوت المسمومة، حيث رفعوا لافتات منددة بسياسات الدولة في حقهم واحتجاجا على عدم تنفيذ مقررات الظهير الملكي الصادر سنة 1960.

 و يشار إلى أن المتورطين في هذه الكارثة التي جرحت الوجدان المغربي، قد تم تمتيعهم بالحرية بعدما كانوا يقضون محكوميتهم، في إطار عفو ملكي من طرف الملك الراحل الحسن الثاني، إذ تقول مصادر حقوقية و صحافية بان أحد أبرز المتورطين في الجريمة تبطه قرابة عائلية مع الأسرة الملكية.

 

 

مواقع بتصرف

قيم هذه المادة |
0,0





التعليقات تعبر عن رأي صاحبها فقط ... كما يرجى الإلتزام بالأداب العامة
 
0
تعليقات الزوار   |   
0
ردود



رأيك مهم جدا
* الإسم الكامل
عنوان التعليق
* نص التعليق






للأعلى